الدَّرْسُ الحادي عشرَ مِنْ / كتابُ التَّوْحِيْدِ مِنْ صحيح البُخَارِي رحمه ال...

بسم الله الرحمن الرحيم
مذاكرة
قبل الدرس:
قال الحافظ
ابن حجر رحمه الله:
(” ارْبِعُوا
” بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ ارْفُقُوا بِضَمِّ الْفَاءِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ
أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَأَنَّهُ فِي كُتُبِ أَهْلِ
اللُّغَةِ وَبَعْضِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِفَتْحِهَا)
ابن التين: هو
أحد شرَّاح صحيح البخاري.
يعني (اربعوا)
جاءت بالوجهين.
– حديث أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه السابق من أدلة إخفاء الذكر «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ،
فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا… » .ومن فوائد إخفاء الذكر
أنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن التشويش، وإشغال الآخرين؛ ولهذا أخرج أبوداود في
سننه (1332) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ
بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ، وَقَالَ: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ
رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى
بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ» ، أَوْ قَالَ: «فِي الصَّلَاةِ»
. والقرآن من ذكر
الله عز وجل.
– عروة بن
الزبير الصابر المحتسب: أسوة في الصبر والاحتساب .
جاءعَنْ هِشَامِ
بْنِ عُرْوَةَ ، أَنَّ أَبَاهُ خَرَجَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَتَّى
إِذَا كَانَ بِوَادِي الْقُرَى ، وَجَدَ فِي رِجْلِهِ شَيْئًا ، فَظَهَرَتْ بِهِ قُرْحَةٌ
، ثُمَّ تَرَقَّى بِهِ الْوَجَعُ . وَقَدِمَ عَلَى الْوَلِيدِ وَهُوَ فِي مَحْمِلٍ
، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اقْطَعْهَا، قَالَ : دُونَكَ. فَدَعَا لَهُ الطَّبِيبَ،
وَقَالَ : اشْرَبِ الْمُرْقِدَ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَقَطَعَهَا مِنْ نِصْفِ السَّاقِ
، فَمَا زَادَ أَنْ يَقُولَ : حَسِّ ، حَسِّ . فَقَالَ الْوَلِيدُ : مَا رَأَيْتُ شَيْخًا
قَطُّ أَصْبَرَ مِنْ هَذَا .
وَأُصِيبَ عُرْوَةُ
بِابْنِهِ مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، رَكَضَتْهُ بَغْلَةٌ فِي إِصْطَبْلٍ، فَلَمْ
يُسْمَعْ مِنْهُ فِي ذَلِكَ كَلِمَةٌ . فَلَمَّا كَانَ بِوَادِي الْقُرَى قَالَ
: لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا اللَّهُمَّ كَانَ لِي بِنُونَ سَبْعَةٌ ، فَأَخَذْتَ
وَاحِدًا وَأَبْقَيْتَ لِي سِتَّةً ، وَكَانَ لِي أَطْرَافٌ أَرْبَعَةٌ ، فَأَخَذْتَ
طَرْفًا وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثَةً; وَلَئِنِ ابْتَلَيْتَ لَقَدْ عَافَيْتَ ، وَلَئِنْ
أَخَذْتَ لَقَدْ أَبْقَيْتَ . سير أعلام النبلاء (4/423) .
وهذا من صبره
واحتسابه ومن تسلية النفس. فالمصاب ينبغي أن يشد نفسه، ويرفع معنويته بالصبر
والاحتساب، وبِتذكر نعم الله عز وجل الأخرى؛وبالإيمان بالقدر فإن هذا يسلي عليه وإلا تخطَّفه الشيطان. فإن
الشيطان له مداخل كثيرة عند ضعف الإنسان وحزنه.
بَابُ
قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ القَادِرُ} [الأنعام: 65]
7390
– حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى،
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ
بْنَ المُنْكَدِرِ، يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الحَسَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ
كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ يَقُولُ: “إِذَا
هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ،
ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ
بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ،
وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فَإِنْ
كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الأَمْرَ – ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ – خَيْرًا لِي فِي
عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – قَالَ: أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ
أَمْرِي – فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، اللَّهُمَّ
وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي
– أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ
لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ
.
************************
(حَدَّثَنِي
إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ)

وهو الحزامي، من مشايخ البخاري وابن ماجة.
(حَدَّثَنَا
مَعْنُ بْنُ عِيسَى)

وهو القزَّاز
(حَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي المَوَالِي)
المدني
(سَمِعْتُ
مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ)

التيمي المدني، يقال عنه: سيد القراء.
ومن آثار محمد
بن المنكدر ماأخرج الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/656) من طريق سُفْيَانَ
قَالَ: قِيلَ لِابْنِ الْمُنْكَدِرِ : مَا
أَفْضَلُ الْأَشْيَاءِ؟ قَالَ: إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، قِيلَ:
فَمَا بَقِيَ
مِمَّا يُسْتَلَذُّ بِهِ. قَالَ: الْإِفْضَالُ عَلَى الْإِخْوَانِ
.
وهذا
أثرٌصحيح .
وسفيان هو ابن
عيينة
.
الفقرة الأولى
في هذا الأثر ” إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ ” .
وهذا من أفضل
الأعمال، ومن جملة العبادات لله عز وجل. إذا وجده حزينًا أو في كُرْبة يدخل عليه
السرور. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «الْمُسْلِمُ أَخُو
الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ
كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ
عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا
سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم
(2580) .
مَنْ كَانَ
فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ:
أي يعين أخاه ويقوم بحوائجه؛ فإن الله عز وجل يتولى أموره بالخير، والجزاء
من جنس العمل.
عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يُدْخل السرورَعلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما وجده
حزينا .
أخرج الإمام
مسلم في صحيحه
(1478) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: دَخَلَ
أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ:
فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ
فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا
حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا
أُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ، سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ
إِلَيْهَا، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ»،
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى
حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ: وَاللهِ لَا نَسْأَلُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ،
ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا – أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ – ثُمَّ نَزَلَتْ
عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ}
[الأحزاب: 28]. …. الحديث. وهذا من إدخال السرور والتسلية
على المؤمن.
وَاجِمًا: أي
حزينًا. وهذا من جملة الآداب إدخال السرور والأُنْس على الصاحب فيما لا يُخالف
الشرع .
و من الأخطاء
أن يزيد في حرارة المصيبة على صاحبها. هذا من الأخطاء سواء على الأقرباء أو
الأصدقاء أو الوالدين أو غيرهم من المسلمين .
الفقرة
الثانية “الإفضال على الإخوان”:
أي الإحسان على الأخوان بتعليمهم، بالإحسان
إليهم بالأخلاق الطيبة، و بإعانتهم و
إطعامهم، وقد كان محمد بن المنكدر رحمه الله كريمًا.
(عَبْدَ
اللَّهِ بْنَ الحَسَنِ )
هذا لا علاقة
له بالسند، فشيخ محمد بن المنكدر هو جابر بن عبد الله.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله (عَبْدَ اللَّهِ
بْنَ الحَسَنِ: أَيِ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ) .
(أَخْبَرَنِي
جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلَمِيُّ)
قال السمعاني
في الأنساب :
السَلَمى
بفتح السين
المهملة وفتح اللام، هذه النسبة إلى بنى سلمة حىّ من الأنصار
.
جابر بن عبد
الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه. شهد بيعة العقبة الثانية، وكان من ضمن السبعين
الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة العقبة .
قال الذهبي
رحمه الله في سير أعلام النبلاء وَكَانَ آخِرَ مَنْ شَهِدَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ
الثَّانِيَةِ مَوْتاً.
وقال الذهبي
رحمه الله:
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: شَهِدَ جَابِرٌ العَقَبَةَ
مَعَ السَّبْعِيْنَ، وَكَانَ أَصْغَرَهُم .
وجابر بن عبد
الله من أهل بيعة الرضوان .
وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل
الحديبية: «أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ» رواه مسلم
(1856) .. وهذه الفضيلة العظيمة جابر بن عبد الله رضي
الله عنه داخل فيها.
ومن مناقبه
ومحاسنه؛ أن أباه استشهد في غزوة أحد، فتزوج رضي الله عنه امرأة ثيبًا. فقال له
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا
وَتُلاَعِبُكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ وَالِدِي أَوِ
اسْتُشْهِدَ وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ،
فَلاَ تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلاَ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا
لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ
والحديث متفقٌ عليه .
وهذا من مناقبه ومن إحسانه إلى أرحامه، آثر
مصلحة أخواته على مصلحة نفسه.
ووالده عبد
الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، أحد النقباء الاثني عشر. وقد أسلم ليلة العقبة
الثانية، وجعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من النقباء.
والد جابر(
كلَّمه الله كفاحا ) أي بدون حجابٍ ولا رسولٍ .
(كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ
الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا)
الاستخارة:
طلب خير الأمرين المضي أو الترك.
والحديث انفرد
به الإمام البخاري عن مسلم.
من فوائد الحديث:
1- أهمية صلاة
الاستخارة؛ وشدَّةُ الحاجة إليها ،ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اهتمَّ
بتعليمها الصحابة اهتمامًا بالغًا، علمهم إياها كما يعلمهم السورة من القرآن.
وقد قيل ما
خاب من استخار ولا ندِم من استشار.
قال شيخ
الإسلام رحمه الله كما في مجموع الفتاوى(10/
663) : لَكِنْ إذَا عَنَّ لِلْإِنْسَانِ جِهَةٌ
فَلْيَسْتَخِرْ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا الِاسْتِخَارَةَ الْمُتَلَقَّاةَ عَنْ
مُعَلِّمِ الْخَيْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ فِيهَا مِنْ
الْبَرَكَةِ مَا لَا يُحَاطُ بِهِ.
اهـ
فالاستخارة
فيها خير وبركة عظيمة. والاستشارة فيها خيرعظيم، استشارةُ ذوِي الرأي والفهم.
وقد أمر الله
نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمشاورة أصحابه لما للمشورة من الأهمية،
قال سبحانه:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران:159].
ملِكَةُ سبأ
تستشير قومها {قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ
قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ
وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ
(33) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ
أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34)
} .
وَلَقَدْ
أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
شَاوِرْ
صَدِيقَكَ فِي الْخَفِيِّ الْمُشْكِلِ … وَاقْبَلْ نَصِيحَةَ نَاصِحٍ
مُتَفَضِّلِ
فَاللَّهُ
قَدْ أَوْصَى بِذَاكَ نبيه … في قوله: (شاوِرْهُمْ) و (فَتَوَكَّلْ)
مرجع البيتين
تفسير القرطبي في تفسيرآيةِ آل عمران المتقدم ذِكْرُها .
ويجب على
المستشار أن ينصح في مشورته، وإذا كان لا يعلم فالواجب أن يسكت، ولا يتكلم إلا بما يعلم مصلحته
للمستشير؛ لأنه مؤتمن كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “الْمُسْتَشَارُ
مُؤْتَمَنٌ” رواه أحمد
(22360)
.
عرفنا أنه
يستشار من عنده فهم، وما تطرح الاستشارة على جاهل وعلى من لا يفهم، هذا من الخطأ.
والجمع بين
الاستخارة والمشورة أمر حسن، قال ابنُ الحاج المالكي رحمه الله في المدخل(4/ 40) الْجَمْعُ
بَيْنَ الِاسْتِخَارَةِ وَالِاسْتِشَارَةِ مِنْ كَمَالِ الِامْتِثَالِ
لِلسُّنَّةِ.
فَيَنْبَغِي
لِلْمُكَلَّفِ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى إحْدَاهُمَا فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ
مِنْ الِاقْتِصَارِ فَعَلَى الِاسْتِخَارَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ
الرَّاوِي كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
– يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا
السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ .
وَالِاسْتِخَارَةُ
وَالِاسْتِشَارَةُ بَرَكَتُهُمَا ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ
مِنْ الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنْ
الْهَوَاجِسِ وَالْوَسَاوِسِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ.
قال : فَعَلَى
هَذَا فَمَنْ تَرَكَ الِاسْتِخَارَةَ وَالِاسْتِشَارَةَ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ
التَّعَبِ فِيمَا أَخَذَ بِسَبِيلِهِ لِدُخُولِهِ فِي الْأَشْيَاءِ بِنَفْسِهِ دُونَ
الِامْتِثَالِ لِلسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَمَا أَحْكَمْته فِي ذَلِكَ إذْ
إنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ إلَّا عَمَّتْهُ الْبَرَكَاتُ وَلَا تُتْرَكُ
مِنْ شَيْءٍ إلَّا حَصَلَ فِيهِ ضِدُّ ذَلِكَ
. اهـ
واختلف أهل
العلم بأيِّهما يبدأ بالاستشارة أم بالاستخارة ؟.
وقد قال
النووي رحمه الله في الأذكار
214: وإذا شاورَ وظهرَ أنه مصلحةٌ استخارَ الله
سبحانه وتعالى في ذلك، فصلَّى ركعتين من غير الفريضة ودعا بدعاء الاستخارة
. اهـ
2-العناية بحفظ دعاء الاستخارة؛ لأن النبي صلى
الله عليه وعلى آله وسلم اهتم بتحفيظ الصحابة ألفاظها وضبطها .
وله أن يقرأها
من كتابٍ إذا كان لا يحفظها .
3- اهتمام
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتعليم الاستخارة فيه دليل على أنه لا يزاد على هذه الصفة، ولاعلى
هذه الألفاظ المذكورة في الدعاء.
قال ابنُ
الحاج رحمه الله في المدخل (4/37) : فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ ، صَاحِبُ الشَّرْعِ –
صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ – اخْتَارَ لَنَا أَلْفَاظًا مُنْقَاةً
جَامِعَةً لِخَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى قَالَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ
فِي صِفَتِهَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ وَالْحَضِّ عَلَى التَّمَسُّكِ
بِأَلْفَاظِهَا وَعَدَمِ الْعُدُولِ إلَى غَيْرِهَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ –
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ
كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» وَالْقُرْآنُ قَدْ
عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُغَيَّرَ وَلَا يُزَادَ فِيهِ وَلَا يَنْقُصَ
مِنْهُ وَإِذَا نَصَّ فِيهِ عَلَى الْحُكْمِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ
لَا يَرْجِعُ لِغَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَ
ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يَعْدِلُ عَنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا
– عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – فِي الِاسْتِخَارَةِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ
الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَخْتَارُهَا الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ . اهـ المراد
4- ظاهره
العموم في كل الأمور لقوله (يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ
الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا
)
والمراد في أشياء مخصوصة .
فصلاة الاستخارة
تكون في الأمور المباحة مثل: السفر، والطلاق ، والزواج. يستخير الله عز وجل في
المرأة هل هي مناسبة له، أوهل الزواج مناسبًا لابنته- مثلًا- بذلك الخاطب
ولمصاهرته.
وقد أخرج مسلم
في صحيحه (1428) عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ
زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ:
«فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ» ، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ
تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي، حَتَّى
مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي،
فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ
إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ
الحديث .
قال النووي
رحمه الله في شرح صحيح مسلم : وَلَعَلَّهَا اسْتَخَارَتْ لِخَوْفِهَا مِنْ
تَقْصِيرٍ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
.اهـ
وهكذا في
التجارة في البيع والشراء – خاصة في الأمور الكبيرة، وفي الإجارة وفي بناء السكن
وفي التحول إلى دار أخرى وفي وما أشبه ذلك .
ولا تكون
الاستخارة في المحرم، ولا في المكروه، هذا يجتنب ولا تردد فيه.
الطاعات
والعبادات التي خيرها محض ليس فيها استخارة .
فلا يستخير
الله عز وجل في قيام الليل، ولا صلاة الضحى، ولا صيام الاثنين والخميس .
هناك أمور قد
يكون فيها التردد بين أمرين، مثلًا: يريد أن يقوم ببحث، هذا عملُ بِرٍّ، لكنه قد
يحتاج يستخير الله عز وجل في ذلك؛ لأنه قد يكون البحث ليس مناسبًا له ، أو غيره
أولى منه ، وغير ذلك .
الاستخارة في المستحبات التي يكون فيه تردد بين شيئين
أيهما أفضل ، أما الذي خيرُه واضحٌ فهذا لا يستخار الله فيه.
من الأمثلة
فيما فيه تردد: السفر للحج سواء كان لفريضة أو نافلة. ينبغي أن يستخير الله عز
وجل، وهكذا كل ما فيه أمور السفر حتى لو كان في عبادة؛ لأنه قد يكون السفر فيه
حوادث وأمراض وشر .
5- أنه يستخير إذا همَّ بالأمر- أي عزم وقصد- أما إذا كان مجرد خاطر على البال فظاهر
الدليل أنه لا يستخير .
6– أنه
يصلي صلاة الاستخارة عن حاجته وليس عن حاجة غيرِه لقوله (إِذَا هَمَّ
أَحَدُكُمْ
بِالأَمْرِ) .
فصلاة
الاستخارة ليس فيها نيابةٌ .
وقد سُئِل
الشيخ ابن باز حفظه الله في فتاوى نور على الدرب (11/ 83) عن صلاة الاستخارة عن
الغير فقال : لا أعلم في هذا دليلا، إنما جاءت السنة لمن أراد الشيء، فالحديث:
«إذا هم أحدكم بأمر فليصل ركعتين، ثم يقول: اللهم إلى آخر
الدعاء
لقوله: (إِذَا
هَمَّ)
..
7- وفيه صلاة
ركعتي الاستخارة ثم الدعاء.
8– ظاهر
الدليل أن صلاة الاستخارة تصلَّى ولو كان في وقت النهي، ولكن الحديث عام مخصوص
بأدلة النهي كحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتفق عليه البخاري
(586) ، مسلم (827) عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ صَلاَةَ بَعْدَ
الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى
تَغِيبَ الشَّمْسُ» .
وفي صحيح مسلم
(831) ، من حديث عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ،
يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا:
«حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ
الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ
حَتَّى تَغْرُبَ». تَضَيَّفُ: أي تميل.
و صلاة
الاستخارة وقتها موسع ما تصلى في وقت الكراهة إلا إذا خشيَ أن يفوته الشيء له أن
يصلي صلاةَ الاستخارة في وقت النهي لدخولها حبنئذٍ في ذوات الأسباب .
قال شيخُ
الإسلامِ رحمه الله في فتاواه
(23/ 215) قال وَ” ذَوَاتُ الْأَسْبَابِ ” كُلِّهَا تَفُوتُ إذَا
أُخِّرَتْ عَنْ وَقْتِ النَّهْيِ: مِثْلَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَتَحِيَّةِ
الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَمِثْلَ الصَّلَاةِ عَقِبَ الطَّهَارَةِ كَمَا
فِي حَدِيثِ بِلَالٍ
وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ: إذَا
كَانَ الَّذِي يَسْتَخِيرُ لَهُ يَفُوتُ إذَا أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ .
اهـ
9- أن صلاة
الاستخارة تكون نافلة لقوله: (مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ) .
فلو صلى فريضة الفجر لا تجزئه عن صلاة الاستخارة؛ لأنها فريضة وليست نافلة، لكن له
أن يصلي الراتبة أو ركعتي الضحى بنية صلاة الاستخارة؛ لأنه يصدق عليها (نافلة) .
ولو صلى
ركعتين نافلة ثم طرأ له حاجة بعدما سلم، لا تعدُّ صلاة استخارة؛ لأنه صلى الركعتين
بدون نية، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بِالنِّيَّاتِ… » متفق عليه عن عمر بن الخطاب .
10- دليل على
أنه إذا كان هناك تراخي يسير بين الصلاة
والدعاء فإنه لا يضر لقوله: (ثُمَّ لِيَقُلْ) .
فإن ثم تفيد التراخي، فإذا كان هناك فاصل يسير لا يضر.
11- ظاهر
الدليل أن دعاء الاستخارة بعد السلام لقوله: (فَلْيَرْكَعْ
رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي
أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ…)
.
12- أن
الاستخارة تكون بمجموع أمرين الصلاة والدعاء .
وهذا للأكمل
والأفضل –والله أعلم- فإذا كانت المرأة حائضًا أو نفاسا لها أن تقتصر على الدعاء.
والله أعلم.
قال النووي
رحمه الله في كتابه الأذكار 120 :ولو تعذرت عليه-أي الإنسان- الصلاة استخار
بالدعاء.
اهـ
13-عدمُ تعيين
ما يُقرأُ في الرَّكعتين فنبقى على عموم قول الله عز وجل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ
مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:20] .
وقد ذكر
النووي رحمه الله في كتابيه التبيان والأذكار (1/294) أنه يقرأ في الركعة الأُولى الكافرون وفي
الثانية الصمد .
قال الحافظ رحمه
الله في «فتح الباري» عقب حديث الاستخارة
(6382) : قال شيخنا -يعني: العراقي-: لم أقف على دليل ذلك، ولعله ألحقهما بركعتي
الفجر، والركعتين بعد المغرب.
قال: ولهما
مناسبة بالحال؛ لما فيهما من الإخلاص والتوحيد. والمستخير محتاج لذلك. اهـ.
وقال رحمه
الله في «نتائج الأفكار» (1/510) : وأما
القراءة في ركعتي الاستخارة، فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث. ثم نقل عن العراقي
نحو كلامه هنا. اهـ
14- وفي دعاء
الاستخارة إثبات صفة العلم، وأن الله علام الغيوب ،وصفة القدرة لله عز وجل .
وهذا هو
الشاهد من الحديث إثبات صفة القدرة لله عز وجل .
وفي تبويب الإمام البخاري رحمه الله: {قُلْ هُوَ القَادِرُ} [الأنعام: 65] فمن أسماء الله عز وجل القادر، والقادر يفيد
إثبات صفة القدرة لله عز وجل.
15-التوسلُ
إلى الله بأسمائه وصفاته قبل السؤالِ .
16- ضعفُ
الإنسان وعجزه عن معرفة عواقب أموره المستقبلة؛ ولهذا يتضرع إلى الله عز وجل،
ويبتهل أن يختار الله عز وجل له ما فيه الخير
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[القصص:68].
قال شيخ
الإسلام رحمه الله في مجموع فتاواه(4/
142) فَعَلَّمَنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنْ نَسْتَخِيرَ اللَّهَ بِعِلْمِهِ فَيُعَلِّمَنَا مَنْ عِلْمِهِ مَا نَعْلَمُ
بِهِ الْخَيْرَ وَنَسْتَقْدِرَهُ بِقُدْرَتِهِ فَيَجْعَلَنَا قَادِرِينَ. إذْ
الِاسْتِفْعَالُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ ثُمَّ قَالَ: {وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك
الْعَظِيمِ} فَهَذَا السُّؤَالُ مِنْ جُودِهِ وَمَنِّهِ وَعَطَائِهِ وَإِحْسَانِهِ
الَّذِي يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ. وَلِهَذَا قَالَ:
{فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ} وَلَمْ يَقُلْ:
إنِّي لَا أَرْحَمُ نَفْسِي؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ الِاسْتِخَارَةِ يُرِيدُ
الْخَيْرَ لِنَفْسِهِ وَيَطْلُبُ ذَلِكَ. لَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَقْدِرُ
عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُعْلِمْهُ اللَّهُ إيَّاهُ وَيُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ.
اهـ
المراد
17- تسمية
الحاجة فيقول مثلًا: (اللهم إن كان هذا السفر) أو (هذا الزواج) ، ونحو ذلك يسمي
حاجته ما يقول (إن كان هذا الأمر) ؛ لأنه قال: (ثُمَّ
تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ)
. وإذا كان له أكثر من حاجة يسمي يقول: (إن كان
هذا السفر وهذه التجارة خيرًا لي ….) فله أن يجمع بين حاجتين فأكثر.
18- اسْتُدِلَ
بقوله: (وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ
رَضِّنِي بِهِ)
أن الذي يستخير
يفعل ما ينشرح له صدره.
وقد نص على
ذلك النووي في كتابه الأذكار، وأفاد بذلك الوالد الشيخ مقبل الوادعي رحمهم الله
جميعًا.
قال الوالد رحمه الله في قوله: (وَاقْدُرْ
لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ)
يدل على أنه يفعل ما
ينشرح صدره له.
19-الإيمان
بالقدر لأن الله عزوجل بيده الخير والشر .

مسائل في
أحكام الاستخارة
من آداب
الاستخارة
1-أن يُنحِّيَ مِن
قلبه ما يميل إليه، وأن يفوض الأمرَ إلى ربه قبل أن يستخير .
قال القرطبي
رحمه الله في تفسيرقوله تعالى {
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } قَالَ
الْعُلَمَاءُ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْرِغَ قَلْبَهُ مِنْ جَمِيعِ الْخَوَاطِرِ
حَتَّى لَا يَكُونَ مَائِلًا إِلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَا
يَسْبِقُ إِلَى قَلْبِهِ يَعْمَلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ فِيهِ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ. اهـ
هذا من الآداب التي قد تُجهل يُنحي عن قلبه ما
يميل إليه وما يهواه ليكون مفوضًا الأمر إلى ربه فيدخل في الصلاة متوكلًا على الله
لاجئًا إلى الله عز وجل.
2- كان أهل
الجاهلية يستقسمون بالأزلام فلما جاء الإسلام أبطلها قال الله عزوجل في سياق بعض
المحرمات {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} .
قال الوالد
الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله : الاستخارةُ بدلٌ عن الاستقسامِ بالأزلام التي كان
يفعلها أهل الجاهلية .
ووجدت الشيخ
ابن باز رحمه الله قال هذا في فتاوى نور على الدرب(1/
212) ونصُّه: أما الأزلام فكانت أشياء
يستقسمون بها لحاجتهم، وهي ثلاثة يكتب على واحد افعل، والثاني لا تفعل، والثالث
غفل ليس فيه شيء، فإذا أرادوا سفرا أو حاجة مهمة أجالوا هذه الأزلام، فإن خرج افعل
فعلوا، وإن خرج لا تفعل تركوا، وإن خرج غفل أعادوا إجالة هذه الأزلام، فنسخ الله
ذلك ونهى عنه سبحانه وتعالى، وأرشد المسلمين بدلا من ذلك إلى الاستخارة الشرعية،
وهي الدعاء الشرعي بعد صلاة ركعتين بدلا من هذه الأزلام.
اهـ
3- هل له أن
يكرر صلاة الاستخارة؟ ذكروا أن له أن يكرر الصلاة إذا وجد نفسه مترددًا ولم ينشرح
صدره .
والله أعلم .