ضررُ حُبِّ الشهرة

تابع سلسلة الفوائد..
قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا
يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [الْقَصَصِ: 83].

وأخرج
الإمام مسلم في صحيحه عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ،
الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» .
وقد كان
السلف من منَّة الله عليهم توقِّيْ الشهرةِ وبغضِها ، والنصح بعدم التطلُّع للشهرة .
أخرج
ابنُ سعدٍ في الطبقات (7/128) من طريق حماد بن زيد كنت أمشي مع أيوب فيأخذ بي في
طرق إني لأعجب له كيف اهتدى لها؟! فرارًا من الناس أن يقال: هذا أيوب.
وفي هذا
المعنى من الآثار ما قاله ابن أبي حاتم
رحمه الله في «آداب الشافعي» (ص91) : أخبرنا الربيع، قال: سمعت الشافعي ودخلت عليه
وهو مريض فذكر ما وضع من كتبه فقال: لوددت أنَّ الخلق تعلمه ولم ينسب منه إليَّ
شيء أبدًا.
وقال الذهبي رحمه الله
في سير أعلام النبلاء (4/494) قُلْتُ: يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنَّ يَتَكَلَّمَ
بِنِيَّةٍ وَحُسْنِ قَصْدٍ، فَإِنْ أَعْجَبَهُ كَلاَمُهُ، فَلْيَصْمُتْ، فَإِنْ
أَعْجَبَهُ الصَّمْتُ، فَلْيَنْطِقْ، وَلاَ يَفْتُرْ عَنْ مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ،
فَإِنَّهَا تُحِبُّ الظُّهُوْرَوَالثَّنَاءَ.
اهـ.
وقال الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء ترجمة ابن
حزم :في حثه على اتباع الحقِّ وترك التقليد قال :فَإِن خَاف مِمَّنْ يُشَغِّب عَلَيْهِ
مِنَ الفُقَهَاء فَلْيَتَكَتَّم بِهَا وَلاَ يَترَاءى بِفعلهَا، فَرُبَّمَا
أَعْجَبته نَفْسُهُ، وَأَحَبّ ، فَيُعَاقب، وَيَدخل عَلَيْهِ الدَّاخلُ مِنْ
نَفْسِهِ، فَكم مِنْ رَجُلٍ نَطَقَ بِالْحَقِّ، وَأَمر بِالمَعْرُوف، فَيُسَلِّطُ
اللهُ عَلَيْهِ مَنْ يُؤذِيْه لِسوء قَصدهِ، وَحُبِّهِ لِلرِّئَاسَة الدِّينِيَّة،
فَهَذَا دَاءٌ خَفِيٌّ سَارٍ فِي نُفُوْسِ الفُقَهَاء، كَمَا أَنَّهُ دَاءٌ سَارٍ
فِي نُفُوْسِ المُنْفِقِين مِنَ الأَغنِيَاء وَأَربَاب الوُقُوْف وَالتُّرب
المُزَخْرَفَة، وَهُوَ دَاءٌ خفِيٌّ يَسرِي فِي نُفُوْس الجُنْد وَالأُمَرَاء
وَالمُجَاهِدِيْنَ، فَترَاهم يَلتقُوْنَ العَدُوَّ، وَيَصْطَدِمُ الجمعَان وَفِي
نُفُوْس المُجَاهِدِيْنَ مُخَبّآتُ وَكمَائِنُ
مِنَ الاختيَالِ وَإِظهَار الشَّجَاعَةِ ليُقَالَ، وَالعجبِ ، وَلُبْسِ القرَاقل المُذَهَّبَة، وَالخُوذ المزخرفَة، وَالعُدد
المُحلاَّة عَلَى نُفُوْس مُتكبّرَةٍ، وَفُرْسَان مُتجبِّرَة، وَيَنضَاف إِلَى
ذَلِكَ إِخلاَلٌ بِالصَّلاَة، وَظُلم لِلرَّعيَّة ، وَشُرب لِلمسكر، فَأَنَّى
يُنْصرُوْن؟ وَكَيْفَ لاَ يُخذلُوْن؟ اللَّهُمَّ: فَانصر دينَك، وَوَفِّق عِبَادك.اهـ.
وعدَّ والدي رحمه
الله شهرته بين الناس من البلوى سمعته رحمه الله يقول :يا إخوان أنا ابْتُلِيْتُ بالشُّهْرَةِ
.
اهـ.
ومن نجا من حُبِّ
الشهرة فقد نجا من العُجْب وسلم من فتنٍ
وآفاتٍ كثيرة .
التطلع للشهرة
هلاكٌ يبعث في النفس مرض العجب، والغرور،
والجدل، والخصومة حتى ولو كان يعرف أن الحق مع غيره .
وقد قيل: حبُّ الظهور يقصم الظهور.
حُبُّ
الشهرة خُلُقٌ ذميم، وداءٌ خفي .
والنفس
تحب الشهرة إلا ما رحم ربي؛ ولهذا علينا أن نعتني بتزكية أنفسنا فقد قال سبحانه
وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[الشمس:9-10]. تزكية النفوس بطاعة الله عز وجل وباجتناب المعاصي.
وحبُّ
الشهرة يكون في أمورٍ كثيرة فبعضهم يحبُّ يظهر أنه زاهد ،وبعضهم يحبُّ يظهر أنه
صاحب علم ،وبعضهم يحبُّ يظهر أنه تقيٌّ ورِعٌ ،وبعضهم يحبُّ يظهر أنه بطلٌ مجاهد ،
وبعضهم يحبُّ يظهر أنه جوادٌ كريمٌ إلى غير ذلك .
فالتطلُّع
للشهرة مرضٌ .ويجازيه الله بنقيض قصده، بخلاف من صدَق وكان سعيه في رضا الله، فإن
الله يجعلُ له من رفعة الذكر، وبُعْد الصِّيت ،والشهرة الحسنة بين الناس في حياته
وبعد مماته ،وهذه سنة الله سبحانه إمضاء ذلك ،وإن أبى ذلك الأعداءُ وصدُّوا بل لو
اجتمعوا أن يضروا بشيء لم يضروا إلا بشيء قد كتبه الله .
هذا وليس من التطلع للشهرة أن
يكون الإنسان معلِّمًا، وداعيًا إلى الله سبحانه وتعالى.
فإن بعض
الناس يمتنع عن الدعوة والتعليم والتأليف لئلا يشتهر، ولأنه يخشى على نفسه من
الرياء، وهذا من وسوسة الشيطان الرجيم.
الإنسان
عليه أن يدافع ويجاهد ويسعى في طاعة ربه .
وقدأخرج
الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (1/733) من طريق مالك عن ربيعة بن
أبي عبدالرحمن أنه كان يقول: لا ينبغي لأحد يعلم أن عنده شيئًا من العلم يضيع
نفسه.
والأثر
علقه البخاري في «صحيحه» تبويب حديث (80) من كتاب العلم.
قال
الحافظ في «الفتح» عقب رقم (80) : مراد ربيعة أن من كان منهم فيه فهم وقابلية للعلم
لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم.
أو
مراده: الحث على نشر العلم في أهله لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم.
أو
مراده: أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للأخذ عنه لئلا يضيع علمه.
وقيل:
مراده تعظيم العلم وتوقيره فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضًا للدنيا وهذا معنى حسن
لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم. اهـ المراد.
فعلى أحد
ما قيل : أنه إذا كان بين أناس، ولا يعرفون منزلته يظهر لهم علمه من أجل أن
يستفيدوا
منه لا لغرضٍ آخر، ونسأل الله أن يصلح أنفسنا.