(13) سِلْسِلَةُ التَّفْسِيْر

لعِبُ الصغار وغيرهم

قوله تعالى عن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام : (أَرْسِلْهُ
مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
(غَدًا) اسم لليوم الذي بعد يومك .
(يرتع ) قال البغوي رحمه الله في تفسير هذه الآية : الرَّتْعُ هُوَ:
الِاتِّسَاعُ فِي الْمَلَاذِ. يُقَالُ: رَتَعَ فُلَانٌ فِي مَالِهِ إِذَا
أَنْفَقَهُ فِي
شَهَوَاتِهِ، يُرِيدُ وَنَتَنَعَّمُ وَنَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَلْهُو
وَنَنْشَطُ.اهـ.
(ويلعب ) قال الجرجاني في
التعريفات : اللعب فعل الصبيان من غير أن يعقب فائدة .
وقال الشيخ الفوزان في شرح مسائل الجاهلية ص 106:اللهو كل باطل يلهي عن
الحق .واللعب هو ضد الجد وهو ما لا فائدة فيه .اهـ.
واللعبة :مايُلعَب به . والملْعب :موضع اللعب كما في مفردات القرآن
للراغب .
وفي الآية : الرخصة في اللعب المباح للصغار .
وأخرج البخاري (6203) ومسلم (2150) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ
يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ – قَالَ: أَحْسِبُهُ – فَطِيمًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ
قَالَ: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ
الحديث .
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح هذا الحديث : ذكر ابن الْقَاصِّ
فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ عَابَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ
أَنَّهُمْ يَرْوُونَ أَشْيَاءَ لَا فَائِدَةَ فِيهَا وَمَثَّلَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ
أَبِي عُمَيْرٍ هَذَا قَالَ وَمَا دَرَى أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهِ
الْفِقْهِ وَفُنُونِ الْأَدَبِ وَالْفَائِدَةِ سِتِّينَ وَجْهًا ثُمَّ سَاقَهَا
مَبْسُوطَةً فَلَخَّصْتُهَا مُسْتَوْفِيًا مَقَاصِدَهُ ثُمَّ أَتْبَعْتُهُ بِمَا
تَيَسَّرَ مِنَ الزَّوَائِدِ عَلَيْهِ .
ثم ساق الفوائد ومنها :وهذا الحديث جَوَازُ لَعِبِ الصَّغِيرِ
بِالطَّيْرِ وَجَوَازُ تَرْكِ الْأَبَوَيْنِ وَلَدَهُمَا الصَّغِيرَ يَلْعَبُ
بِمَا أُبِيحَ اللَّعِبُ بِهِ .
وأخرج مسلم في صحيحه (2310) عن أنس بن مالكٍ «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا» ، فَأَرْسَلَنِي
يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ
لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ
حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي،
قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: «يَا أُنَيْسُ أَذَهَبْتَ
حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟» قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ، يَا رَسُولَ اللهِ .
وفي صحيح مسلم (1422) عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَزُفَّتْ
إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا
وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ» .
ومن اللعب المباح وقد يكون مستحبا ما في الصحيحين عن جابر قال النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك .
قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث : فِيهِ مُلَاعَبَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَمُلَاطَفَتُهُ لَهَا
وَمُضَاحَكَتُهَا وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ .
وأخرج البخاري (454) ومسلم (892) عن عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ
حُجْرَتِي وَالحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ» .
وهذا فيه اللعب في المسجد بما يكون فيه التدريب والإعانة على الجهاد في
سبيل الله .
فليس فيه دليلٌ للصوفية الذين يرقصون في المساجد ويهينونها .
استفدنا من هذه الأدلة أنه لا بأس في بعض الأحيان لمن له ميولٌ إلى اللعب
أن يلعب .
ومنه المسابقة وقد سابق النبي
صلى الله عائشة ،وسابق بين الخيل المضمَّرة .
وقال ابنٌ القيم رحمه الله في زاد المعاد (4/226) وَأَمَّا رُكُوبُ
الْخَيْلِ وَرَمْيُ النُّشَّابِ، وَالصِّرَاعُ، وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى
الْأَقْدَامِ،
فَرِيَاضَةٌ لِلْبَدَنِ كُلِّهِ، وَهِيَ قَالِعَةٌ لِأَمْرَاضٍ
مُزْمِنَةٍ، كَالْجُذَامِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالْقُولَنْجِ.اهـ.
ومن اللعب المباح :الغناء بما لا محضورَ فيه وما لا يثير الغريزة الجنسية في يوم العيد فهو يوم فرحٍ وسرور.
لكن من غير إسهاب ولا إكثار وما يكون فيه مضيعة للوقت وللمستقبل وما ليس في معصية .
والواقع وجود الانهماك الشديد في اللعب وضياع الأوقات
في السمر على الكُرَة والشاشات والدَّمار
واللعب بالقمار والشيلات المصحوبة
بالطبل والإيقاع والألحان المُطْرِبة وهي داخلة في المعازف التي قال ربنا عنها {
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي
لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا
هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }.
وهكذا الأناشيد الإخوانية التي
يتنزه عن سماعها كلُّ من لديه عقل .
ومن اللعب المحرم : الاستهزاء
بالدين وأهله هذا من اللعب المحرم قال تعالى
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ }.
وقد وصف الله الدنيا أنها دارُ لهوٍ ولعبٍ للحذر منها قال سبحانه { وَمَا
الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
فليحرص
الجميع على عمارةِ الوقتِ بالخير والطاعة استعدادًا لذلك اليوم الذي قال ربنا عنه
{
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى
اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} . ولم أُرِدْ مما تقدم إلا التوصل إلى هذا ، الحذر من اللعب الذي يضيِّع الحياة الأُولى والأُخرى ،واغتنام الحياة قبل الموت .
نفعنا ربي بهذه الكلمات ووفقنا لطاعته .