(3) اختصار درس الشرح الحثيث

بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قول
ابْنِ الأخْرَمِ: قَلَّمَا يَفُوتُ
البُخَارِيَّ وَمُسلِمًا مِن الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
.

أي: القليل من الأحاديث الصحيحة التي فاتت البخاري ومسلمًا، وقد حمله ابن الصلاح في «المقدمة»(86) على «الصحيحين»، وقال: يعني: في
كتابَيْهِما.

قال والدي
رَحِمَهُ اللهُ في «السير الحثيث» (42) عن قول ابن الأخرم، وقال: هذا إذا حُمِلَ على أنه قلَّما يفوتهما في الحفظ، فيكون مقبولًا، أما
قلَّما يفوتهما في «صحيحيهما» فهذا ليس بمقبول؛ لما
تقدم.

يعني بما تقدم: أنهما لم يستوعبا إخراج الأحاديث الصحيحة؛ فلهذا أهل العلم يعلِّقون على قول ابن الأخرم
رَحِمَهُ اللهُ، ومنهم من ينتقده بأن هناك
أحاديث صحيحة كثيرة ليست في «الصحيحين».

قال النووي في «التقريب
والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث»(26) : قيل: لم يفتهما
منه إلا قليل، وأُنكِر هذا، والصواب: أنه
لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني: «الصحيحين»، و«سنن أبي داود»، والترمذي، والنسائي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

طريقة
البحث في الحكم على الأحاديث

أولًا: النظر
في حال رجال السند، هل فيهم ضعيف؟ هل هم ثقات؟

ثم النظر في
سلامته من العلة والشذوذ، وهذا يفيدنا أن
التصحيح والتضعيف لا يكون عن هوًى وما تشتهيه الأنفس،
فيصحِّح ما يهوى ويضعِّف ما يهوى، العقل
لا دخل له في ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مسألة: الحكم
على الحديث في هذه الأزمنة

ذهب ابن
الصلاح رَحِمَهُ اللهُ إلى أن التصحيح في هذه الأعصار انتهى، وإنما يُنقل عن الأئمة الذين صححوه، وجمهور أهل العلم على خلافه، وكذا الإمام النووي
رَحِمَهُ اللهُ يرى جواز التصحيح لمن كان عنده أهلية؛
فلهذا رُدَّ على ابن الصلاح رَحِمَهُ اللهُ، وكان
من ضمن ما ذُكر في «مراجعة تدريب الراوي» لوالدي رَحِمَهُ الله من الردِّ عليه ما يلي:

عَنْ
عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا
حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ
أَجْرٌ» رواه البخاري (7352) ، ومسلم (1716) .

وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَلَّمَ: «لا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ
أُمَّتِي ظَاهِرِينَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ
أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» رواه
البخاري (7311) ، ومسلم
(1921) عن
المغيرة بن شعبة.

وأيضًا رُد على ابن الصلاح رَحِمَهُ اللهُ بأنه
من معاصريه فمن بعدهم يصححون. قال العراقي في «التقييد والإيضاح»
(24) : وممن
صحح أيضًا من المعاصرين له الحافظ ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي جمع كتابًا
سماه «المختارة»
التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى
تصحيحها. اهـ.

وأيضًا ابن
الصلاح رَحِمَهُ اللهُ نفسه قد يصحح بعض الأحاديث، وهذا
يخالف قاعدته: أنه لا تصحيح في هذه الأزمان.

ـــــــــــــ

من
أين تؤخذ الزيادات على «الصحيحين»؟

تؤخذ من «السنن
الأربعة»، و«مسند
أحمد»، ومن «المستخرجات»، و«المستدرك»، ومن «صحيح
ابن خزيمة»، و«صحيح
ابن حبان»، و«المعاجم»، و«الفوائد»، و«الأجزاء»، وغير ذلك.

وتؤخذ أيضًا من «الصحيح
المسند مما ليس في الصحيحين»، لكن شرْطُ والدي
رَحِمَهُ اللهُ في صحيحه شديد، فقد كان يعرِض
الأحاديث على كتب العلل، وربما إذا شك في شيء
تركه، ولم يخرج لسلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده مع أنها حسنة، ووالدي رَحِمَهُ اللهُ
نفسُه يرى أنها حسنة، ولكن لم يخرجها في كتابه هذا؛ لأن شرطه شديد، وكذلك لم يخرج لسلسلة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ولكن تيسر لوالدي رَحِمَهُ اللهُ أحاديث ليست من
طريق بهز بن حكيم.

وتؤخذ أيضًا من «السلسلة
الصحيحة» للشيخ الألباني رَحِمَهُ اللهُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

معاجم
الطبراني

قال الذهبي
رحمه الله في «تذكرة الحفاظ»(3/85) ترجمة الطبراني: وصنف
«المعجم الكبير»،
وهو المسند سوى مسند أبي هريرة، فكأنه
أفرده في مصنَّف.

و«المعجم
الأوسط» في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب «الأفراد» للدارقطني،
بيَّن فيه فضيلته وسعة روايته، وكان يقول: هذا الكتاب روحي، فإنه
تعب عليه، وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر.

وصنف «المعجم
الصغير» وهو عن كل شيخ له حديث واحد.

ونكون
استفدنا من هذا التعريف بهذه المعاجم الثلاثة:

«المعجم الكبير» على
ترتيب المسانيد. يذكر حديث كل صحابي ثم ينتقل
إلى صحابي آخر.

«المعجم الأوسط» على
ترتيب شيوخه على حروف المعجم، ويذكر فيه ما
لشيخه من الغرائب والتفرُّدات.

«المعجم الصغير»
يذكر لكلِّ شيخٍ من شيوخه حديثًا واحدًا.

وقد وضَّح ذلك
الطبراني رحمه الله في أول «المعجم الصغير»، وقال: هَذَا
أَوَّلُ كِتَابِ فَوَائِدِ مَشَايِخِي الَّذِينَ كَتَبْتُ عَنْهُمْ بِالْأَمْصَارِ، خَرَّجْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدِيثًا
وَاحِدًا، وَجَعَلْتُ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى
حُرُوفِ الْمُعْجَمِ.

وسمعت والدي
الشيخ مقبل رحمه الله يقول: «المعجم الصغير» يذكر فيه حديثًا واحدًا لكلِّ شيخٍ من شيوخه، وكأن الطبراني أراد أن يُعرِّف فيه بشيوخه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

المستخرج

موضوعه:
أن يُخرج المؤلف أحاديث
كتابٍ بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيلتقي
معه في شيخه أو شيخ شيخه، فما فوق.

والأحاديث هي
نفسها، ولكن قد يكون هناك زيادة بعض الألفاظ، وبعضهم قد يزيد أحاديث أخرى في أثناء سرده
للأحاديث.

وربما ضاق بهأي: بالمستخرِج فيرويه من طريق صاحب الكتاب.

من المستخرجات:

«مستخرج
أبي عوانة»
على «صحيح مسلم».

«مستخرج
أبي بكر الإسماعيلي»
على «صحيح البخاري».

«مستخرج
البرقاني»
على «صحيح البخاري»
و«صحيح مسلم».

«مستخرج
أبي نعيم»
أبو نعيم مستخرجه على «صحيح مسلم»
مطبوع، واسم كتابه «المسند
المستخرج على صحيح مسلم»، وذكروا له مستخرجًا
أيضًا على «صحيح البخاري»، وقد خرج منه قطعة.

من فوائد المستخرجات:

علو
الاسناد.

كثرة
الطرق.

قد
يكون جاء بلفظ العنعنة عند البخاري مثلًا، ويصرح
بالتحديث في «المستخرج».

التصريح
بالمهمل، يقول البخاري مثلًا: حدثنا محمد، فيأتي
في «المستخرج»
بيانه: محمد بن سلَام.

التصريح
بالمبهم، مثلًا يكون عند البخاري: عن رجل، فيُصرَّح
في «المستخرج»
باسمه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«مسند
الإمام أحمد»

كتاب عظيم، وهو منتخب، انتخبه
من آلاف الأحاديث؛ فقد قال رَحِمَهُ الله: هذا كتاب قد جَمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة
ألف وخمسين ألفًا. واشتمل على زيادات ومتون
ليست في «الصحيحين»،
وقد حقق هذا الكتاب أحمد شاكر رَحِمَهُ اللهُ ولم يكمله، ثم خرج بتحقيق شعيب الأرنؤوط والمتعاونين معه في (45) مجلدًا، وتحقيقهم قوي، ولكن
السابقية لها الفضل، فلا يزال هناك فضيلة لسبق
أحمد شاكر رَحِمَهُ اللهُ في هذا المشروع، وطبعة
الرسالة قد صارت هي التي يقتنيها طلبة العلم؛ لأنه
كمل تحقيقها، ولأنها خدمت خدمة عجيبة لا نظير
لها.

و«مسند الإمام أحمد»
يقول والدي رَحِمَهُ اللهُ في « السير الحثيث» (48) : «مسند الإمام أحمد»
أعتقد أن الذي يقرأه كأنه قرأ الأمهات الست، فما
يفوته إلا الشيء اليسير، كما يقولون: (كل الصيد في جوف الفَرَا) ،
فيه خير كثير، والباحث يحتاج إلى كثرة
القراءة في «مسند أحمد»؛ ففيه أحاديث صحيحةكما
يقول ليست في «الصحيحين».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتاب المستدرك

المستدرك: أن يضمَّ أحاديث صحيحة ليست في «الصحيحين» إلى «الصحيحين».

قال ابن الصلاح على الحاكم
في«مُسْتَدْرَكِهِ»: وَهُوَ وَاسِعُ الخَطْوِ فِي شَرْطِ الصَّحِيحِ، مُتَسَاهِلٌ
بِالقَضَاءِ بِهِ.

أي: في الحكم به، وهذه
العبارة تدل على تساهل الحاكم في هذا
الكتاب «المستدرك».

وقد تكلم
الذهبي في «سير أعلام النبلاء»(17/175) على أحاديث هذا الكتابوهو
أعرف به من غيره وقسَّمها إلى ما يلي:

فِي «المُستدرك» شَيْءٌ كَثِيْرٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَشَيءٌ كَثِيْرٌ عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا، وَلَعَلَّ مَجْمُوع ذَلِكَ ثُلثُ الكِتَابِ، بَلْ أَقلُّ؛ فَإِنَّ
فِي كَثِيْر مِنْ ذَلِكَ أَحَادِيْثَ فِي الظَّاهِر عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا أَوْ
كليهمَا، وَفِي البَاطن لَهَا عللٌ خَفِيَّة
مُؤَثِّرَة، وَقطعَةٌ مِنَ الكِتَاب
إِسْنَادُهَا صَالِحٌ وَحسنٌ وَجيّدٌ، وَذَلِكَ
نَحْو رُبُعِه، وَبَاقِي الكِتَاب مَنَاكِير
وَعجَائِبُ، وَفِي غُضُون ذَلِكَ أَحَادِيْثُ
نَحْو المائَة يَشْهَد القَلْبُ بِبُطْلاَنهَا، كُنْتُ
قَدْ أَفردت مِنْهَا جُزْءًا.

وقد اعتُذِر
للحاكم بأنه ألَّف هذا الكتاب وقد كبِرت سنه، قال
الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان»(7/256) : الحاكم أجل قدرًا وأعظم خطرًا وأكبر ذكرًا من أن
يُذكر في الضعفاء، لكن قيل في الاعتذار عنه: أنه عند تصنيفه للمستدرك كان في أواخر عمره.

وذكر بعضهم
أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره؛ ويدل على
ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب «الضعفاء» له، وقطع بترك
الرواية عنهم ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج
أحاديث بعضهم في «مستدركه» وصححها. اهـ.

وقد
تكلَّم الذهبي على بعض أوهام الحاكم التي حصلت له، ولم يستوعب بيان ما انتقد على
الحاكم رَحِمَهُ اللهُ؛ فلهذا لا يصح التعبير بـ وافقه الذهبي، والذهبي نفسه قد قال
في «سير أعلام النبلاء»(17/175) : وَبِكُلِّ حَالٍ فَهُوَ كِتَابٌ مُفِيْدٌ، قَدِ اختصرتُهُ،
وَيعوزُ عَمَلًا وَتحريرًا. اهـ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ