(4) من أحكام الجنائز

من أحكام الجنائز

عَدَمُ قَبولِ التَّوبَةِ عند حضورِ الموت

قال
الله تَعَالَى
: ﴿وَلَيْسَتِ
التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
[النساء:18].

ويُشكل
على هذا الحديث الآتي
:

عَنِ
سعيد بْنِ المُسَيَّبِ
، عَنْ
أَبِيهِ وهو
: المسيب بن حزْن، أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ
،
فَقَالَ
: «أَيْ
عَمِّ
، قُلْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ،
تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
، فَلَمْ يَزَالا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ»
فَنَزَلَتْ
: ﴿مَا
كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
أَصْحَابُ الجَحِيمِ
[التوبة: 113]. وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56].رواه
البخاري
(3884) ، ومسلم(24) .

والجواب
عنه أن قوله
: «لَمَّا
حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ
» قال النووي رحمه الله في «شرح صحيح مسلم»:
الْمُرَادُ قَرُبَتْ وَفَاتُهُ وَحَضَرَتْ دَلَائِلُهَا
، وَذَلِكَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ، وَلَوْ كَانَ فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ لَمَا نَفَعَهُ
الْإِيمَانُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى
إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
[النساء:18]،
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ مُحَاوَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ
.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ
جَعَلَ الْحُضُورَ هُنَا عَلَى حَقِيقَةِ الِاحْتِضَارِ
، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَا
بِقَوْلِهِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ أَنْ تَنَالَهُ الرَّحْمَةُ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
.

قَالَ
الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ
:
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ
؛ لِمَا
قَدَّمْنَاهُ
.

وقال الحافظ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في « فتح الباري» (8/506) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ انْتَهَى إِلَى تِلْكَ
الْحَالَةِ
، لَكِنْ رَجَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ وَلَوْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ
أَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ بِخُصُوصِهِ
،
وَتَسُوغُ شَفَاعَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
؛ لِمَكَانِهِ مِنْهُ،
وَلِهَذَا قَالَ
: أُجَادِلُ لَكَ بِهَا وَأَشْفَعُ لَكَ، وَيُؤَيِّدُ الْخُصُوصِيَّةَ أَنَّهُ بَعْدَ أَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِقْرَارِ
بِالتَّوْحِيدِ وَقَالَ
: هُوَ
عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
،
وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ
يَتْرُكِ الشَّفَاعَةَ لَهُ
، بَلْ
شَفَعَ لَهُ حَتَّى خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ
، وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ فِي حَقِّهِ. اهـ.

ونستفيد ما تقدم: الحث
على التوبة من الذنوب قبل فواتِ الفُرصَة
.