عدمُ
تأخيرِ الدعاءِ إذا طُلِبَ منكَ
كان والدي رَحِمَهُ الله إذَا طُلِبَ منه
الدُّعاءُ لأحَدٍ يدعُو مباشرةً، ولا يؤخِّرُهُ لوقتٍ آخرَ.
قلت: ونذكِّرُ أنفسَنا بثلاثة من الأدلة في
استحباب ذلك:
عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُنَيْنٍ
بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ
الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ، قَالَ أَبُو مُوسَى:
وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ، فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ
جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ
فَقُلْتُ: يَا عَمِّ مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: ذَاكَ
قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي، فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي
وَلَّى، فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِي، أَلَا
تَثْبُتُ، فَكَفَّ، فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ
قُلْتُ لِأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا
السَّهْمَ فَنَزَعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ المَاءُ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَقْرِئِ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ
لِي. الحديث،
وفيه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ،
ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ». قال:
وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ
القِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ». فَقُلْتُ: وَلِي
فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ
ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُدْخَلًا كَرِيمًا».رواه البخاري (4323) ، ومسلم (2498) .
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:
قَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ،
قَالَ: «اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا
أَعْطَيْتَهُ». رواه البخاري (6344) ، ومسلم (2480) .
عن حنظلة بن حِذْيَم رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ،الحديث وفيه: فَدَنَا بِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي بَنِينَ ذَوِي لِحًى وَدُونَ ذَلِكَ
وَإِنَّ ذَا أَصْغَرُهُمْ فَادْعُ اللهَ لَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ:
«بَارَكَ اللهُ فِيكَ أَوْ بُورِكَ فِيهِ».
قَالَ ذَيَّالٌ- أحد رواة الإسناد-: فَلَقَدْ
رَأَيْتُ حَنْظَلَةَ يُؤْتَى بِالإِنْسَانِ الوَارِمِ وَجْهُهُ أَوْ البَهِيمَةِ
الوَارِمَةِ الضَّرْعُ فَيَتْفُلُ عَلَى يَدَيْهِ، وَيَقُولُ: بِسْمِ اللهِ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَقُولُ
عَلَى مَوْضِعِ كَفِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ
وَسَلَّمَ فَيَمْسَحُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ذَيَّالٌ: فَيَذْهَبُ الوَرَمُ. رواه الإمام أحمد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (34/
262) .
ومعنى: وَيَقُولُ عَلَى مَوْضِعِ كَفِّ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ. أي: يضع يده عَلَى
مَوْضِعِ كَفِّ رَسُولِ اللهِ. فهذا من إطلاق القول على الفِعْل.
والشاهد من هذه الأدلة: مبادرة النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الدعاء إذا طُلِبَ منه وعدم تأخيرِهِ.
فرحم الله والدي وغفر له، كيف كان دقيقًا
في فهم النصوص، حريصًا على العملِ بها.