[سورة المؤمنون (23) : الآيات
45 الى 49]
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ ﴾ الآيات.
في
هذه الآية دليل على رسالة هذَين النبيَّين: موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام.
كما يُعدُّ نبوة هارون هبة من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لنبيه موسى، كما قال الله ممتنًا على هذين
النبيين ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا
(53) ﴾[مريم]، وكان هذا بطلب من نبي الله موسى
﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29)
هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ
كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) ﴾[طه].
﴿ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (45) ﴾ قال ابن كثير: بِالْآيَاتِ
وَالْحُجَجِ الدَّامِغَاتِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ.
﴿فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا
عابِدُونَ (47) ﴾ هذه حجة منكري رسالة الرسل أنهم بشر.
﴿ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) ﴾ قال ابن كثير:
فَأَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ، وَأَغْرَقَهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ
أَجْمَعِينَ.
﴿وَلَقَدْ
آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) ﴾ فيه تخصيص موسى بالذكر
بإنزال الكتاب؛ لأن نبي الله هارون كان خليفة موسى في قومه لما ذهب إلى الطور، لما قال له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ
سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) ﴾[الأعراف: 142].
واستدل الحافظ ابن
كثير بهذه الآية: على أن الله أنزل
التوراة بعد هلاك فرعون وقومه.
وكما قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى
الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ
وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
وفيه قولان في المراد بالقرون الأولى التي
أهلكها الله:
أحدهما: أنه من بعد أن
أهلك فرعون وقومه.
والقول الثاني: أي: من
بعد قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى. وهذا القول الثاني قاله البغوي،
وذكر القولين القرطبي رَحِمَهُ اللهُ في «تفسيره»(13/291) .
واستنبط أيضًا الحافظ ابن
كثير رَحِمَهُ اللهُ من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا
مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ أن
الله لم يهلك أحدًا من الأمم بعد إهلاك فرعون وقومه بعذاب عام يستأصلهم من أولهم
إلى آخرهم، وشرع قتال الكفار بالسيف في التوراة فما بعد، وكما قال تعالى لنبيه
محمد ﷺ وأصحابه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ
بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ
قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) ﴾[التوبة:14].
وفي هذه الآية دليل أن القتال بالسيف أشد نكاية
بالعدو، أي: وجعًا وألمًا، وأشفى لصدور
قوم مؤمنين.