(8) اختصار شرح العقيدة الواسطية


قال شيخ الإسلام: (مَا وَصَفَ اللهُ
بِهِ نَفسَهُ فِي سُورَةِ الإِخلاصِ) (
السورة) :
هي عبارة عن آيات من كتاب الله مسوَّرة
، أي:
منفصلة عما قبلها وعما بعدها
، كالبناء
الذي أحاط به السور
. اهـ من «شرح
العقيدة الواسطية»(1/139) لابن عثيمين.

واختلفوا من أي شيء اشْتُقت السورة؟ قيل: من
الإبانة والارتفاع، وقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلدان.

وجمع سورة سُوَر،
وقد يجمع على سُوَرَات وسُورَات.

(سُورَةِ الإِخلاصِ) قولان في تسمية هذه السورة
بسورة الإخلاص، أحدهما: أنها اختصت بذكر صفات الله تَعَالَى،
الثاني: أن من قالها مؤمنًا بما فيها يكون قد
خلص من الشرك ويكون موحدًا.

(الَّتِي تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ) والدليل: أن النّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي
نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ»
رواه البخاري (5013)
عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ.

ومن فضائل هذه السورة:
روى البخاري (7375) ،
ومسلم (813)
عَن عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله
عليه وسلم بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ،
وَكَانَ يَقرَأُ لِأَصحَابِهِ فِي صَلاَتِهِم فَيَختِمُ بِقُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم، فَقَالَ: «سَلُوهُ
لِأَيِّ شَيءٍ يَصنَعُ ذَلِكَ؟»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ:
لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحمَنِ، وَأَنَا
أُحِبُّ أَن أَقرَأَ بِهَا، فَقَالَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَخبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ».

وهذا الحديث الأخير:
نستفيد منه الرد على من أنكر أن يقال: صفات
الله سُبحَانَهُ، وقد جاء هذا عن ابن حزم.

وتكلم أهل العلم على كون هذه السورة تعدل ثلث
القرآن، أشهرها:
أن القرآن على ثلاثة أقسام: أحكام، وقصص، وتوحيد. وهذه السورة أخلصت في توحيد الله.

وهذا
هو أحسن ما قيل، كما
قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ في «شرح
العقيدة الواسطية».

قوله رَحِمَهُ الله:(حَيثُ يَقُولُ: ﴿ قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)
اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَم يَلِد وَلَم يُولَد (3) وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا
أَحَدٌ (4) ﴾ [الإخلاص] .

﴿قُل هُوَ﴾ أي: الشأن الله أحد.

هذه
ثلاثة أسماء لله في هذه السورة: (اللَّهُ) بمعنى
المألوه أي: المعبود،
(أَحَدٌ) فيه إثبات صفة الأحدية لله، فالله واحد في ذاته وربوبيته وألوهيته وأسمائه
وصفاته، (الصَّمَدُ) في معناه أقوال: السيد، ومنهم من قال: الذي لا جوف له، ومنهم من قال: هو الذي تصمد إليه الخلائق حوائجها، ولا منافاة بين هذه
المعاني
.

والمراد بقولهم: لا جوف له، قال الشيخ ابن
عثيمين رَحِمَهُ اللهُ في «شرح العقيدة
الواسطية»(1/142) : يعني: لا أمعاء ولا بطن، ولهذا قيل: الملائكة صمد؛ لأنهم ليس لهم أجواف، لا يأكلون ولا يشربون. اهـ.

ويجوز أن يقال للمخلوق صمد، إذا كان
يقصده الناس لقضاء حوائجهم.

وقدم سُبحَانَهُ ﴿
لَم يَلِد ﴾
على ﴿ وَلَم يُولَد ﴾ لأهمية الرد
على من ينسب الولد لله
؛ فإن هذه
فرية شنيعة
، قال تَعَالَى: ﴿
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحمَنُ وَلَدًا لَقَد جِئتُم شَيئًا إِدًّا
[مريم]
الآيات.

قوله سُبحَانَهُ: ﴿
لَم يَلِد وَلَم يُولَد ﴾
فيه الرد على من يدعي لله ولدًا،
كاليهود الذين يقولون
: عزير ابن الله،
والنصارى الذين يقولون
: المسيح ابن
الله
، والمشركين الذين يقولون:
الملائكة بنات الله
.

﴿ وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾الكفو:
الشبيه والنظير
.

واشتملت هذه السورة العظيمة على إثبات ثلاثة
أسماء لله
: لفظ الجلالة الله،
الأحد
، الصمد.

وأفاد الأحد نفي المشاركة والمماثلة،
وأفاد اسم الله الصمد أن الله مستحق لجميع الكمال
.

واشتملت على نفي الفروع (الأولاد)
والأصول
(الأبوان) ، ونفي الشبيه
والنظير
. وهذا النفي يستفاد منه إثبات ضده من الكمال لله.

واجتمع في هذه السورة الصفات الثبوتية والصفات السليبة.