(12) سِلْسِلَةُ التَّفْسِيْر

انتفاع المؤمن بالوعظ والتذكير
قال تعالى {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ
رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } .
وقال ربنا عز وجل: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ
﴾[الصافات:13]. وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ
لَا يُؤْمِنُونَ ﴾[يونس:101]. هذه الآيات في شأن
الكفار وأنهم لا ينتفعون بالوعظ
والتذكير بالآيات سواء كانت آيات شرعية، أو آيات كونية.
ومفهومها أن المؤمن ينتفع بالتذكير .
قال
الله عز وجل: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾[الذاريات:55].

وقال
عز وجل: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10)
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى(11) ﴾[الليل] .
ومن التشبه بالكفارعدم انتفاع المؤمن بالوعظ والتذكير.
وعلامة على الغفلة ،فكلُّ قلبٍ حيٍّ يتأثر
وينتفع قال سبحانه { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ
أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
} .

ويا سبحان ربي كم ينتفع المؤمن بالتذكير حتى
ولو كان يحفظ الدليل ويعرفه ،إذا كان في موقف شدَّة وكرب فذُكِّر بالصبر،أو كان
متساهلا في بعض النوافل فسمع تذكيرا فإنه ينشط ويبادر ،أو كان مبتلَى بأكل لحوم
الناس واغتيابهم ،أوكان عاصيًا غافلا فإنه يفيق ويرجع إلى ربه ،أوكان عنده نفاق
فسمع قوارع الأدلة في التخويف من النفاق ،أوكان فظًا غليظًا عنيفًا في أخلاقه فسمع
فضل مكارم الأخلاق .
وأقرب مثالٍ قصة وفاة النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم أخرج البخاري(1241) عن ابن عباس أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ،
فَقَالَ: «اجْلِسْ» ، فَأَبَى، فَقَالَ: «اجْلِسْ» ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو
بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ،
فَقَالَ: ” أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ
مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ
الرُّسُلُ} إِلَى {الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] ” وَاللَّهِ لَكَأَنَّ
النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا
أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا
يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا
.
كأنها أول مرة تطرق أسماع الصحابة هذه الآية
فجعلوا يتلونها تصبُّرا وتعزيَّا .
وقد بين حديثُ عائشة عند البخاري(3668) السبب في كون عمر رضي الله عنه يريد أن يتكلم وفيه فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلاَمًا قَدْ أَعْجَبَنِي، خَشِيتُ أَنْ لاَ يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ .
وقالت عائشة رضي الله عنها في الثناء على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عقب هذه الرواية :قَالَتْ: فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ .
فتبين لنا شدة الاحتياج إلى التذكير بالخير،
والتثبيت في مواقف الشدة، وهكذا يكون موقف المؤمن أنه رحمة على نفسه ،ورحمة على
غيره ،يذكِّر غيره ويشدُّ أزْرَه ويعينه ويثبته ،ويدعو له ،ولا حول لنا ولا قوة
إلا بالله .