(23) سِلْسِلَةُ التَّوْحِيْدِ وَالعَقِيْدَةِ

من أسماء
الله الحسنى :(السلام )

قال الله
تعالى: {السَّلاَمُ المُؤْمِنُ } .

وفي
الصحيحين عن ابنِ مسعود رضي الله عنه كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَقُولُ: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ
لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ
وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِين
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
) متفق عليه.

(إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ) أي أن اللهَ هو
السلام فلا يُقال السلام على الله، إذ يكون المعنى (الله على الله) .
وهذا مُنكَر،
لهذا نهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
ولأن السلام متضمن للدعاء
للمُسَلَّمِ عليه، والله عزوجل يُدْعَى و لا يُدْعَى له، فهو لا يحتاج لأحد من
خلقه.
ينظر شرح
ابنِ بطال للبخاري (10/409 ) .
وذكر معنى
هذا الشيخُ صالحُ الفوزان حفظه الله في إعانة المستفيد (2/215) ثمَّ
قالَ: فمن دعا لله فقد تنقّص الله عزّ وجلّ، وهذا يُخِلُّ بالتّوحيد.
وقد
بوَّب الإمامُ النجدي رحمه الله في كتاب التوحيد (بابٌ لا يقال: السلام على الله )
وذكر حديثَ ابنِ مسعودٍ المذكور.
والسلام
يتضمن صفةَ السلامةِ لله عزوجل من النقص والعيب والآفات قال ابنُ القيم رحمه الله
في بدائع الفوائد (2/135) : فهو سبحانه سلامٌ في ذاته عن كلِّ عيب ونقص يتخيَّله
وهم، وسلامٌ في صفاته من كل عيبٍ ونقص ، وسلامٌ في أفعاله من كل عيبٍ ونقصٍ
وشرٍ وظلمٍ وفعلٍ واقعٍ على غير وجه الحكمة.
قال: وهذا
هو حقيقة التنزيه الذي نزَّه به نفسَه ونزَّهه به رسولُه فهو السلام من
الصاحبة والولد ،والسلام من النَّظير والكُفء والسَّمِيِّ والمماثل، والسلام من الشريك.اهـ المراد .
على هذا
يكون السلامُ متضمناً لصفةٍ سلبية أي أن الله سالمٌ من النقص والعيب .
وأيضاً
السلامُ يتضمَّن السلامة للعبد أي أن الله يسلم العبد من الآفات والشرِّ في دينه ودنياه وآخرته.
على هذا
يكون السلامُ أيضاً متضمنًا لصفة فعلية.
وقد ذكر
هذا الحافظُ ابنُ حجر في فتح الباري في شرح حديث ابن مسعود وقال: وَقِيلَ
السَّلَامُ مَنْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ
وَعَيْبٍ فَهِيَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ.
قال: وَقِيلَ
مِنْهُ السَّلَامَةُ لِعِبَادِهِ فَهِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ اهـ المرادُ.
استفدنا
أن السلام له معنيان أحدهما أن الله سالم من كل نقص وعيب ،فالله عزوجل منزَّهٌ عن
كل نقص وعيب وهذا يفيد إثبات الكمال له سبحانه .
المعنى
الثاني : السلام أي أن اللهَ يسلِّم عبده من الشر والمكروه .وهذا يفيد أن الله هو
الذي يُطْلَبُ منه السلامة وفي صحيح مسلم عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ
اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ،
تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» .
فمن سلَّم
وقال : (السلام عليكم ) يكون قد ذكراللهَ ويكون قد دعا لمن يسلم عليه بالسلامة من
الآفات والمكروهات .
وبمعرفة معنى
هذا الاسم الكريم (السلام) نستفيد عظمةَ الله ،وإثبات صفات الكمال له ،ونفي
النقائص عنه ،وإثبات الغنى التام له لأنه هو المعطِي يرفع العبدُ إليه حوائجَه
ويسأله العافية والسلامة،بيده المُلْكُ يُعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء حسب ما تقتضيه
حكمتُه وعدلُه .
ولنعلم
أن من كنوز العلوم معرفة وفهم أسماءالله وصفاته وهذا هو القسم الثالث من أقسام التوحيد
وهو توحيد الأسماء والصفات ،ولا يعرف الموحِّدُ ربه إلا بأسمائه وصفاته وقد بشَّر
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة من أحصى أسماء الله كما في الصحيحين
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا
وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ
.
قال ابنُ القيم رحمه الله في بدائع الفوائد (1/164) : في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من
أحصاها دخل الجنة وهذا هو قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح.
المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها .
المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها .
المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الأسماء
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} .اهـ.
وفي هذا ترغيب عظيمٌ في الاهتمام بأسماءالله وصفاته، حفظا فلا يكفي
كتابتها من دون حفظها ،وفهما لمعانيها فمن حفظها من غير فهم لمعانيها ما ينال هذا
البشارة ،ودعاؤه بها .
وقد حُرِم هذا الخير أناس من أهل البدع وهم المعطِّلة الذين أنكروا أسماءالله
وصفاته ،أوقالوا لله أسماء لكن من غير ما تدل على صفة ، أو غلوا في إثباتها وقالوا
هي تشبه صفات المخلوقين وقد قال تعالى {
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
}.