(10) سِلْسِلَةُ التَّوْحِيْدِ وَالعَقِيْدَةِ .



التوسل المشروع وغير المشروع

التَّوَسُّل المشروع على ثلاثةِ أقسام

1-التوسل إلى الله عز وجل بأسمائه وصفاته

قال تعالى {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } .
2- التوسل إلى الله بالعمل الصالح كما قال
الله عن أهل الإيمان {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ
أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا }.
وكما في حديث النفر الثلاثة الذين انطبق
عليهم الغار توسَّل إلى الله كلُّ واحدٍ منهم بعمله وفرَّج الله عنهم وخرجُوا
يمشون
.
والحديث متفق عليه عن ابن عمر رضي اللهُ عنهما .
فهذا مشروعٌ أن يتوسَّل بعمله هُو، مثل اللهم بمحبتي لأنبيائك
وأوليائك ارزقني، أو فرِّج كربي
..
أو اللهم باتباعي لنبيك محمد وفقني وأعنِّي ..

3- التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح.

ودليلُه ما رواه البخاري (1010) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى
بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا
نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ
بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ
.
هذا الحديث فيه التوسُّلُ إلى اللهِ
بدعاء الرجل الصالح
.


والمراد طلبُ الدُّعاء من الرجل الصالِح .
وقد بيَّن هذا حديثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ المتفق عليه : أَنَّ رَجُلًا، دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ
جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ
الأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
«اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» الحديث
.

هذا الحديث يبين المرادَ من توسِّل الصحابة بدعاء النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم في حياته ثمَّ بعمِّه العباس بعده أنه كان بدعائه لا بذاته ولا
بجاهه ومنزلته
.

فيجوز أن يُطلُبَ من أهل
الفضل أو من المسافر الدُّعاء
.


وقد قالت أم سليم رضي الله عنها يا رسول الله خادمك أنس ادع الله له .
متفق عليه البخاري (6344) ومسلم (2480) من
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه
.

وفي صحيح مسلم (2542) عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ أَهْلَ
الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ
بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنَ
الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ
:
إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، لَا
يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللهَ
فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ
الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ
فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ .

قال الصنعاني رحمه الله في تطهير الاعتقاد
68 : وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاءَ منه صلى الله عليه وسلم وهو
حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه
.اهـ


لكن لا نكثر من الطلب (ادع
لي) وينبغي أن نعتنيَ بأنفسنا نحن وأنْ يلجأ العبد إلى الله ( أمن يجيب
المضطر إذا دعاه ) والاضطرار من أسباب استجابة الدعاء
.


وقد نبَّه على ذلك الشيخُ ابن عُثيمين رحمه الله في كشف الشبهات ص (254) فقال : ذكر المؤلف -أي الإمام
النجدي- رحمه الله أنه لا بأس أن تأتي
لرجل صالح تعرفه وتعرف صلاحه فتسأله أن يدعو الله لك، وهذا حق إلا أنه لا ينبغي
للإنسان أن يتخذ ذك ديدناً له كلما رأى رجلاً صالحاً قال ادعُ الله لي، فإن هذا
ليس من عادة السلف رضي الله عنهم، وفيه اتكالٌ على دعاء الغير، ومن المعلوم أن
الإنسان إذا دعا ربه بنفسه كان خيراً له لأنه يفعل عبادة يتقرب بها إلى الله عز
وجل فإن الدعاء من العبادة كما قال الله تعالى {ادعوني أستجب لكم} [سورة غافر،
الآية: 60]. الآية، والإنسان إذا دعا ربه بنفسه فإنه ينال أجر العبادة ثم يعتمد
على الله عز وجل في حصول المنفعة ودفع المضرة، بخلاف ما إذا طلب من غيره أن يدعو
الله له فإنه يعتمد على ذلك الغير وربما يكون تعلقه بهذا الغير أكثر من تعلقه
بالله عز وجل اهـ المراد
.


وما عدا هذه الأنواع الثلاثةِ، التوسل غير مشروع، قد يكون بدعةً، وقد
يكون شركًا
.


و أما التوسل بذات المخلوق سواء كان بالنبي صلى الله عليه و سلم أو
بغيره فهذا لا يجوز لم يفعله الصحابة مع النبي صلى الله عليه و سلم و لم يفعله سلف
الأمة ولو كان مشروعا لما عَدَل الصحابة إلى التوسل بدعاء العباس بعد وفاة النبي
صلى اللهُ عليه وعلى آله وسلم
.

وهل التوسل بذات المخلوق شرك؟
قال الشيخ عبدالمحسن العبَّاد حفظه الله في حاشية تطهير الاعتقاد:
التوسل الذي هو شرك أن يَجْعلَ المتَوسَل به واسطةً بينه وبين الله، يدعوه ويطلب
منه الشفاعة
.
أمَّا إذا سأل الله بجاه فلان مثلاً،
فإنَّه بدعة وليس بشرك.اهـ المراد
.


وهذا يوضِّحُ العبارة المتقدمة
أنَّ التوسل غير المشروع، قد يكون بدعةً، وقد يكون شركًا
.


فإذا توسَّل بمخلوق يعتقد أنه على منزلة رفيعة وعلى جاه كأن يتوسل
بنبي من الأنبياء ويجعله واسطة بينه وبين ربه هذا شرك وهو نفس شرك المشركين الذين
قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم
.


أما إذا سأل الله بجاه فلان ومنزلته فهذا بدعة وليس بشركٍ.
يتوسل بعمل فلان، بمنزلة فلان، بدرجات فلان، بعلم فلان هذا بدعة لأن
الصحابة ما فعلوه مع النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الأعمال الصالحة إنما يعود
نفعُها إلى أهلها وليس إلى الآخرين فتوسلُه هنا بعمل أجنبي ولكنه لا يصل إلى حد الشرك .

وننبِّه على الحديث الذي رواه الترمذي
(3578) عن عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ
يُعَافِيَنِي قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكَ». قَالَ: فَادْعُهْ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ
وُضُوءَهُ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي
تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ
فَشَفِّعْهُ فِيَّ». والحديث صحيح
.


و قد فهم من هذا الحديث بعضُ الناس أن المراد به جواز التوسل بذات
النبي صلى الله عليه و سلم وليس هذا هو المراد
.
بل بعضهم تجاوز ذلك وزعم أن المراد من الحديث جواز التوسل بالمخلوق
أياً كان
.


و قد بيَّن شيخُ الإسلام المراد من هذا الحديث فقال رحمه الله في
كتابه قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة فقرة (365) : وحديثُ الأعمى لا حجةَ لهم فيه،
فإنه صريحٌ في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، وهو طلب من
النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول:
“اللهم شَفِّعْه فيَّ” ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي صلى
الله عليه وسلم، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي صلى الله عليه وسلم. ولو توسل
غيره من العميان الذين لم يدْعُ لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال به لم تكن
حالهم كحاله اهـ
.




فحديث الأعمى فيه أنه توسل
إلى الله بدعاء النبي صلى الله عليه و سلم وهو حي
.





اللهم لك الحمدُ على ما علَّمتنا وأكرَمْتَنَا بالعقيدة الصحيحةونسألك ربنا من واسع فضلِكَ العظيم