تسأل إحدى اخواتي في الله:
هل من اعتمر عمرة متمتعًا بها إلى الحج في نهاية شوال يكون طوال الوقت إلى الحج وهو في مناسك الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج.
وإذا فعل شيئًا من الثلاث أو الغيبة والنميمة والكذب خلال الشهر يكون حجه غير مبرور؟
ج: إذا أكمل المتمتع عمرته فإنه يتحلل تحلُّلًا تامًّا؛ ففي حديث ابن عباس، قال: «فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَابِعَةً مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، وَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الحِلِّ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّهُ» رواه البخاري(3832) ، ومسلم(1240) .
وأما عن الشق الثاني من السؤال:
إذا فعل شيئًا من الثلاث أو الغيبة والنميمة والكذب خلال الشهر يكون حجه غير مبرور؟
كما تقدم أن المتمتع يتحلل كاملًا إذا انتهى من العمرة.
وإذا ارتكب المعاصي في حال نسكه فحجه صحيح لكنه لا يكون مبرورًا، كما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» رواه البخاري (1773) ، ومسلم (1349) .
قال النووي رحمه الله في «شرح صحيح مسلم» (9/ 118) : الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ أَنَّ الْمَبْرُورَ هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ إِثْمٌ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ.
وَقِيلَ: هُوَ الْمَقْبُولُ.
ثمَّ نبَّه رحمه الله على قولين آخرين فقال:
وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا رِيَاءَ فِيهِ.
وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَعْقُبُهُ مَعْصِيَةٌ، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِيمَا قَبْلَهُمَا.
وقال الشيخ صالح الفوزان في «دروس وفتاوى في الحج»(1/251) : إذا صلُحَ عملُ الإنسان بعد الحج، وصار عنده رغبة في الخير، ومحبة للطاعة، فهذا دليل على أن حجه مبرور.
وقد سُئل الشيخ ابن عثيمين كما في «مجموع الفتاوى»(24/106) : ما حكم الرجوع للمعاصي بعد أداء فريضة الحج؟
فأجاب بقوله: الرجوع إلى المعاصي بعد أداء فريضة الحج نكسة عظيمة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع-يعني من ذنوبه -كيوم ولدته أمه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، فإذا نقَّى صحيفته بهذا الحج فإن من السفه أن يسود الصحيفة بسيئات أعماله بعد الحج. اهـ.
وابن القيم رَحِمَهُ الله يقول عن الحج: إنه ميزان العمر. أي: من صح له حجه وسَلِمَ له فإنه يوفقه الله في جميع السنة لفعل الطاعة وترْك المعصية.
وليس معنى هذا أنه لا يذنب أبدًا؛ فإنه ليس بمعصوم.
ومما يدل على أن الذنب قد يقع بعد الحج والعمرة ما روى النسائي (2630) ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» والحديث في «الصحيح المسند» (1/ 338) لوالدي رَحِمَهُ اللَّهُ.
لكن عليه أن يجاهد شيطانه ونفسه، وإذا أذنب تاب وأناب، ومن تاب تاب الله عليه.