(9) فوائد من دروس التبيان في آداب حملة القرآن




عن جُنْدَبَ بنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ
اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ
فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» رواه مسلم (657) .
«مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ» قال الطيبي رَحِمَهُ الله
في شرح «مشكاة المصابيح» (3/896) : خُصَّ
صلاة الصبح بالذكر، لما فيه من الكلفة والمشقة.

وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهُوَ فِي
ذِمَّةِ اللهِ»
أي: في عهد الله وأمانه وحِفْظِه.

قال ابن
الجوزي رَحِمَهُ الله في «كشف المشكل» (2/49) :معنى الحَدِيث:
أَن من صلى الْفجْر فقد أَخذ من الله ذماما فَلَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُؤْذِيه
بظُلْم، فَمن ظلمه فَإِن الله يُطَالِبهُ
بِذِمَّتِهِ.

وقيل في
معنى الحديث: المراد أن المصلي في جماعة الصبح
إذا خالف ما أمر به خذلته ذمة الله التي هي الحفظ والكلاءة. ذكره الصنعاني رحمه الله في
«التنوير شرح الجامع الصغير» (10/282) .

والقول
الأول هو المشهور.وأما ما ذكره الصنعاني
فالمراد أن مَنْ صلَّى الفجر فعليه أنْ يلتزم بالأوامر ويجتنب النواهي.
« فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللهُ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنْ
ذِمَّتِهِ»
قال القاري
في «مرقاة المفاتيح»
(2/541) :
«مِنْ
ذِمَّتِهِ» : أَيْ:
مِنْ أَجْلِ ذِمَّتِهِ. اهـ.
في هذا الحديث من الفوائد:
ومن
فضائلِ هذه الصلاة:
· ما ثبت عن النبي صلى الله
عليه وسلم
أنه قال في راتبة الفجر: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا
فِيهَا». رواه مسلم (725) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا.
وإذا كان هذا في راتبة الفجر فكيف
بفريضة الفجر.
· أنها سببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار.روى البخاري (574) ، ومسلم (635) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«مَنْ صَلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ».
والبردان: صلاة الفجر والعصر.
· من أسباب رؤية الله في الآخرة.روى
البخاري (554) ،ومسلم (633) عن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا
عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم،
فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً – يَعْنِي البَدْرَ – فَقَالَ: «إِنَّكُمْ
سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا
القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى
صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا»
· شهود الملائكة لصلاة الفجر.روى
البخاري(4717) ،ومسلم
(649)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ: «فَضْلُ
صَلاَةِ الجَمِيعِ عَلَى صَلاَةِ الوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَتَجْتَمِعُ مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ
النَّهَارِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ» يَقُولُ
أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ
إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: 78].
ومن فوائد الحديث:

· احترام مَن صلى صلاة الفجر،
وعدم التعرض له بالأذى والسوء.
· ظاهر الحديث العموم سواء صلى صلاة الصبح في جماعة أو
منفردًا، رجلًا أو امرأة.
ولكن لا يجوز للرجل أن يتخلَّف عن صلاة الجماعة
لغير عذر شرعي.

· هذا الحديث مِنْ أدلَّة السعادة.
فاحرص
أيُّها المسلم على أداء هذه الفريضة لتنالَ رضا الله سبحانه عنك، ولتكون سعيدًا إن شاء الله في الأُولى والأُخرى.

· مفهوم الحديث أن من لم يصلِّ صلاةَ الصبح فهو ليس في
حفظِ الله ولا أمانه. وهذا حِرْمان وخذيلة.

· عدم أذية العلماء وحفاظ القرآن، لأنهم مِنْ أولِ مَن يشمله هذا الحديث،
وهذا هو الشاهد منه.
قال الشيخ
ابن عثيمين رَحِمَهُ الله في «شرح مقدمة المجموع»
(77) : إذا
كان المصلي في ذمَّةِ الله وعهده، فما بالُكَ
بمَنْ هو أتقى لله وأعظم!