(22) سِلْسِلَةُ التَّوْحِيْدِ وَالعَقِيْدَةِ

من عظيم قدرة الله سبحانه أنه قد ينطق الحيوان وما
لاروح فيه
أخرج البخاري (4850) ومسلم (2847) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ؟ قَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللهُ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى، رِجْلَهُ، تَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا “.

نؤمن به على ظاهره، وأن الله عز وجل يخلق في الجنة والنار
إدراكًا تتكلم بهذا.

والله على كل شيء قدير.
وأخرج البخاري (3260) ومسلم (617) عن
أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ:
رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي
الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ،
وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ “.

قال ابنُ رجب رحمه الله في فتح الباري (4/244) :وأماقوله
– صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (اشتكت النار إلى ربها) المحققون من العلماء
على أن الله أنطقها بذلك نطقاًحقيقياً كما ينطق الأيدي والأرجل والجلوديوم
القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله –
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا.

ويشهد لذلك: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي – وصححه
-، من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ -، قال: (يخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان،
ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر
وبالمصورين) .اهـ.

و ثبت في صحيح مسلم (2277) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ».

وأخرج أبو داود في سننه (2549) بسند صحيح وأصله في
مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الحديث وفيه أن النبي صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ حَائِطًاً لِرَجُلٍ من الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ،
فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ
عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ
ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ: «مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا
الْجَمَلُ؟»، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ
اللَّهُ إِيَّاهَا؟، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ».
قال صاحب عون المعبود: (حَنَّ) أَيْ رَجَّعَ
صَوْتَهُ وَبَكَى.
وقوله (فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ) قال الخطابي في معالم
السنن: الذفري من البعير مؤخر رأسه وهو الموضع الذي يعرق من قفاه.
(وتدئبه ) يريد تكده وتتعبه اهـ.

وهذا الحديث الأخير من محاسن الإسلام وأنه
جاءبالرفق وبالحقوق .
فالإسلام من محاسنه أنه جاء بالحقوق حق المسلم على
أخيه المسلم ، حق الجوار ، حق الأولاد على آبائهم من حيث التربية والإحسان ،
الحقوق الزوجية ،حقوق الحيوان ،حقوق الفقراء ،حقوق الراعي والمرعي ، إلى غير ذلك .
فيتذكر من يظلم من تحته ومن لا يطيق أن يدفع عن
نفسه أنه مسيء إلى نفسه وإلى من أمر الله بالإحسان إليه ، وأن الله القاهر فوقه
أقدر منه .
وقد نفى الله الفلاح عن الظالم فقال { إِنَّهُ
لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
}وأثبت
له الخيبة والحرمان فقال:{
وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} .