تقول إحدى أخواتي في الله: سائلة نحسبها على خير وهي من النوع الذي يكثر الدعاء لأولادها وبالذات في رمضان، تقول: قبل يومين أغضبها ولدها غضبًا شديد واستفزها، ومن كثرة ما أغضبها دعت عليه وهي تبكي منه، ثم بعدها دعت أن لا يستجيب الله دعاءها؛ لأنها حريصة على تربيتهم، وقد تعبت في ذلك والهداية من رب العالمين.
فهل يستجيب الله دعاءها عليه ولا يستجيب دعاءها له؟
الجواب
إن كان الغضب شديدًا بحيث أغلق على إدراكها ووعيها فهذا ليس له معنى، بمعنى لا يؤثِّر، كما في حديث رفع القلم.
وأما إن كانت الأم بوعيها فربُّنا بَرٌّ رحيم كريم حليم قد لا يستجيب الدعاء في حالة الغضب، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) ﴾[يونس].
قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ وَلُطْفِهِ بِعِبَادِهِ: أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ أَوْلَادِهِمْ فِي حَالِ ضَجَرِهِمْ وَغَضَبِهِمْ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْهُمْ عَدَمَ الْقَصْدِ إِلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ؛ فَلِهَذَا لَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ-؛ لُطْفًا وَرَحْمَةً، كَمَا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ إِذَا دَعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَوْ لِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَالنَّمَاءِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أَيْ: لَوِ اسْتَجَابَ لَهُمْ كُلَّ مَا دَعَوْهُ بِهِ فِي ذَلِكَ لَأَهْلَكَهُمْ.
قال: وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي الْإِكْثَارُ مِنْ ذَلِكَ، ثم استدل رَحِمَهُ الله بالحديث الذي رواه مسلم (3009) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ».
قال: وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا﴾[الْإِسْرَاءِ: 11]. اهـ.
وقد دل حديث جابر أن الأمر خطر ليس بالسهل؛ فقد يصادف دعاء الغضب ساعة استجابة، فيُستجاب دعوته على ولده.
وقد سُئل الشيخ ابن باز كما في صوتيةٍ له عن هذه المسألة:
فقال: على خطر، ينبغي له ألا يدعو، ينبغي أن يدعو بالخير، إذا غضب على أولاده لا يدعو عليهم إلا بالخير، يتقي الله؛ لئلا تصادف ساعة إجابة، فينبغي للمؤمن أن يتحرى الدعاء الطيب، وإذا غضب على أولاده يدعو لهم بالهداية والصلاح، لا يدعو عليهم، هذا هو الذي ينبغي له؛ يتحرى الخير. اهـ.
وهذا إذا كان الدعاء بحق، يعني: لكونهم عاقين فهذا خطر.
وأما إذا كان هذا الدعاء بغير حق فلا يضر؛ لأنه يدخل في جملة الاعتداء في الدعاء، وقد روى الإمام مسلم(2735) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ: «قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ».
فقد يكونون بارِّين، ولكن الأب قاسٍ جاف في التعامل مع أولاده، فهذا لا يُستجاب دعاؤه؛ لأنه معتدٍ في دعائه.
أما عن التراجع في الدعاء على شخص أو لشخص، فهذا له أن يتراجع عنه، ومن أدلته الحديث التالي:
عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ في دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على اليتيمة، ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي، فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ، وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً، وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه مسلم (2603) .
وننصح أنفسنا وأخواتنا بخُلُقِ الحِلْم والصبر، وتعويد الألسن على الدعاء للأولاد بالخير والسعادة.
نسأل الله أن يسخِّرنا وإياكم للخير، وأن يصلح أولادنا وأولادكم.