تقول إحدى أخواتي في الله: علميني كيف أكون صابرة على فراق والدي؟
ج: لقد طلبتِ مني وصية، وكلنا بحاجة إلى هذه الوصية التي أمر الله تَعَالَى بها، كما قال تَعَالَى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر].
والقليل من يصبر على المؤلمات؛ إذ لها حرارة في القلب، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» الحديث رواه مسلم (223) .
قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله في «شرح الأربعين النووية»(225) : لم يقل: إنه-الصبر-نور، والصلاة قال: إنها نور؛ وذلك لأن الضياء فيه حرارة، كما قال الله عزّ وجل: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾[يونس: 5] ففيه حرارة، والصبر فيه حرارة ومرارة؛ لأنه شاق على الإنسان، ولهذا جعل الصلاة نورًا، وجعل الصبر ضياءً؛ لما يلابسه من المشقة والمعاناة.
وإن من أعظم ما يعين على الصبر على المؤلمات:
-الإيمان بالقدر، قال تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) ﴾ [التوبة: 51].
-معرفة حكم الصبر على أقدار الله وأنه واجب، وكذا معرفة فضائله، كقول نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» رواه البخاري (1469) ، ومسلم (1053) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.
-التأمُّل هل ينفعه إذا لم يصبر؟ بل العكس، وتزداد حرارة مصيبته، ويخسر الأجر، ويرتكب الوزر.
-النظر إلى هذه الدار الدنيا وكثرة المكدِّرات فيها، فهي لا تصفو لأحد أيًّا كان. قال ابن القيم في «زاد المعاد» (4/175) : وَمِنْ عِلَاجِهِ أَنْ يُطْفِئَ نَارَ مُصِيبَتِهِ بِبَرْدِ التَّأَسِّي بِأَهْلِ الْمَصَائِبِ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّهُ فِي كُلِّ وَادٍ بَنُو سَعْدٍ، وَلْيَنْظُرْ يَمْنَةً فَهَلْ يَرَى إِلَّا مِحْنَةً؟ ثُمَّ لِيَعْطِفْ يَسْرَةً فَهَلْ يَرَى إِلَّا حَسْرَةً؟ وَأَنَّهُ لَوْ فَتَّشَ الْعَالَمَ لَمْ يَرَ فِيهِمْ إِلَّا مُبْتَلًى، إِمَّا بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ، أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ.
-تفويض الأمور إلى الله، وكما قال والدي رَحِمَهُ الله في « الفرج بعد الشدة»: علينا ألَّا نَضيق بالمصائب ذرعًا، بل نفوض أمرنا إلى الله عَزَّ وَجَل.
-الدعاء بالثبات وربْطِ القلب- ربط الله على قلوبنا وقلوبكم-، قال تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[النمل:62].
ونسأل الله أن يرحم أباكِ، ويلهمك الصبر، ويخلف عليك وعلى جميع أهله بخير.