194توجيه أدلة وعيد القاتل في حق الموحد

(194) سِلْسِلَةُ التَّوْحِيْدِ وَالعَقِيْدَةِ

توجيه أدلة وعيد القاتل في حق الموحد

جاء عن عبدالله بن عباس أن القاتل ليس له توبة.

واستدل بقوله تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ﴾[النساء]، وهذا قول مخالف للأدلة، وعقيدة أهل السنة في أدلة الوعيد في حق الموحد والتي فيها الخلود في النار، لهم أجوبة عن هذا، منها:

أن الخلود يأتي في اللغة بمعنى المكث الطويل.

ومنهم من يقول: هناك تقدير: إن جازاه.

قال الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ في «فتح الباري» (8/ 496) : قَدْ حَمَلَ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَصَحَّحُوا تَوْبَةَ الْقَاتِلِ كَغَيْرِهِ، وَقَالُوا: معنى قَوْله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم أَيْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُجَازِيَهُ؛ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء [النساء:48 وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ أَتَى تَمَامَ الْمِائَةِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَوْبَةَ، فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ جَاءَ آخَرَ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ. الْحَدِيثَ وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قُبِلَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَمِثْلُهُ لَهُمْ أَوْلَى؛ لِمَا خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الأثقال الَّتِي كَانَت على من قبلهم. اهـ.

وهذا القول أيضًا فيه نظر؛ لأنهم يقولون: «إن جازاه» فهل هذا جزاء القاتل الذي ارتكب كبيرة- وهو موحد- أن الله يخلده في نار جهنم ولا يخرج منها أبدًا، هذا خلاف عقيدة أهل السنة، يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116].

ويقول النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ بعد أن ذكر بعض الكبائر: «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» رواه البخاري (18) ، ومسلم (1709) عن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

ولهذا الشيخ بن عثيمين ينتقد هذا القول.

ومنهم من قال: يُحمل على أنه إذا كان مستحلًا.

وهذا أيضًا منتقد؛ لأن المستحل لما حرم الله كافر سواء فعله أو لم يفعله، وقد ذكر هذا القول ابن القيم في «مدارج السالكين»(1/391) ، وذكر عن الإمام أحمد أنه أنكره، وقال: لو استحل ذلك ولم يفعله كان كافرًا. والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إنما قال: من فعل كذا وكذا، أي: ولم يقل: مستحلًا. فلا يصح توجيه الأدلة على المستحل.

التعليقات

اترك تعليقاً