(33) سلسلة النساء الفقيهات

مِنْ فقْهِ أم
الدحداح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا،
فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
« أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ» فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ،
فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي. فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ
النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ:
«
فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا
».

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«كَمْ
مِنْ عَذْقٍ رَدَاحٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ
»، قَالَهَا مِرَارًا.

قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ:
يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ
بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ.

فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ. أَوْ
كَلِمَةً تُشْبِهُهَا
. رواه أحمد(19/464) .

فيه من الفوائد:

زهد أم الدحداح وزوجها، وإيثار ما عند الله على
الدنيا.

أن الزوجة الصالحة لا تقف في وجه زوجها إذا أراد
أن يفعل معروفًا، وقد خرجت أم الدحداح- عند أن قال لها زوجها: يَا أُمَّ
الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي
الْجَنَّةِ-، مِن غير عتاب ولا ملامة، وتسخُّطٍ وتخويف بالفقر، بل خرجت من
الحديقة ومن غير استفسار أو جدال، ومسرورة مستبشرة، وتقول: رَبِحَ الْبَيْعُ؛
لأن عندها يقينًا أن زاد الآخرة باقي وزاد الدنيا فاني.

فرضي الله عن أم الدحداح وزوجها أبي الدحداح،
وأرضاهما.

وفيه: قوة
اليقين بوعد الله وأنه حق، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة:
111].

وفيه: أن من
قَدَّم لنفسِهِ خيرًا فقد ربح ولم يخسر.

وفيه: تأكيد المرأة الصالحة إحسان زوجها وتشجيعه.

وفيه: فقه أم الدحداح؛ فلا يُسابق إلى هذه
الخصال، ويؤثر الباقي على الفاني،
والآجل على العاجل إلا من عنده فقه وعِلْمْ.

اللهم اجعلنا من السبَّاقين إلى رضاك وجنتك.