(152) نصائح وفوائد
الخلطة بالناس والأقرباء
النفوس تفرح باللقاءات وتنبسط، كما قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ في «زاد المعاد»(3/ 13) : فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ. اهـ
فما يشعر إلا وقد وقع في صيد منكراتهم؛ للمخالطة؛ فإنها تؤثِّر وتسحب، فلا يُجالَسون إلا في خير، وما ليس في محرم؛ حتى لا يزيغ اللسان، وتُهدر الأوقات، وترتَكب المحرمات.
وما أحسن ما جاء عن عبدالله بن عون رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، كما قال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (6/ 369) : رَوَى مِسْعَرٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: ذِكْرُ النَّاسِ دَاءٌ، وَذِكْرُ اللهِ دَوَاءٌ.
علق عليه الذهبي وقال: قُلْتُ: إِيْ وَاللهِ، فَالعجَبُ مِنَّا، وَمِنْ جَهلِنَا، كَيْفَ نَدَعُ الدَّوَاءَ، وَنقتحِمُ الدَّاءَ؟! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152]، ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، وَلَكِنْ لاَ يَتَهَيَّأُ ذَلِكَ إِلَّا بِتوفِيْقِ اللهِ، وَمَنْ أَدْمَنَ الدُّعَاءَ، وَلاَزَمَ قَرْعَ البَابِ، فُتِحَ لَهُ.
وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَوْنٍ قَدْ أُوتِيَ حِلمًا وَعِلمًا، وَنَفْسُه زَكِيَّةٌ تُعِيْنُ عَلَى التَّقوَى، فَطُوْبَى لَهُ.
(وَلَكِنْ لا يَتَهَيَّأُ ذَلِكَ إِلَّا بِتوفِيْقِ اللهِ، وَمَنْ أَدْمَنَ الدُّعَاءَ، وَلازَمَ قَرْعَ البَابِ، فُتِحَ لَهُ) يعني: هذا لا يكون إلا لمن وفقه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يكثر من ذكر الله، وما له وللناس، يشتغل بنفسه وبعيوبها، يشتغل بما يقربه إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، هذا لا يكون إلا بتوفيق من الله.
ثم ذكر الذهبي بعض الأسباب المعينة على هذه الصفة، فقال: (وَمَنْ أَدْمَنَ الدُّعَاءَ) ، أي: لازم الدعاء وألحَّ، (وَلازَمَ قَرْعَ البَابِ) أي: لازم اللجوء والتضرع إلى الله، (فُتِحَ لَهُ) قد يَصِل إلى هذه الصفة وهذا الخُلُقِ العظيم، فيفتح الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى له، ويصلح لسانه، ويعيذه من شره، وما أكثر شرور الألسن!
ولهذا من الأدعية الجامعة التي علَّمها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شكل بن حميد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي، وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي، وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي، وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي» أخرجه أبو داود (1551) ، وذكره والدي في «الصحيح المسند» (476) .
[مقتطف من كلمة: الحذر من الخوض مع الخائضين/ لابنة الشيخ مقبل رحمه الله]