(38) من أحكام الصلاة
تسوية الصفوف
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أمرنا بتسوية الصفوف، وقال: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» رواه البخاري (717) ، ومسلم (436) عن النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
فإذا لم تسوَّ الصفوف يخشى من تنافر القلوب؛ لأن الظاهر عنوان الباطن، فإذا استقمنا في الظاهر كان دليلًا على حسن الباطن، فكما أن الباطن عنوان الظاهر- كما قال النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» رواه البخاري (52) ، ومسلم (1599) عن النعمان بن بشير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فكذلك الظاهر عنوان الباطن، وفي المسألة جملة من الأدلة أيضًا، منها:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ، فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ» رواه البخاري (3470) ، ومسلم (2766) وسياق لفظ الحديث له؛ لأنه أتم في السياق.
قال القرطبي في «المفهم»(7/93) : فيه دليل على أن أعمال الظاهر عنوان على الباطن. اهـ.
وهذا مأخوذ من خروجه إلى الدار الطيبة وقربه منها.
والنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لما رأى الصحابة حلقًا فَقَالَ: «مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟» رواه مسلم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى (430) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ.
عن أبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيّ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ، إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ». فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ. رواه أبو داود (2628) ، وهو في «الصحيح المسند» (1211) لوالدي رَحِمَهُ الله
وهذا يدل على استجابة الصحابة وامتثالهم الدليل.
فينبغي الاعتناء باستقامة الظاهر، ولا يلتفت إلى من يقول: نيتي طيبة، وظاهره فساد ومعصية، فالظاهر عنوان الباطن.
الذي يخشع في جوارحه ويسكن في جوارحه عنوان الباطن؛ فخشوع ظاهره دليل على وجود الخشوع في قلبه، نسأل الله سُبحَانَهُ أن يصلحنا ظاهرًا وباطنًا.