(94) اختصار درس روضة الأفهام في شرح بلوغ المرام

(94) اختصار درس روضة الأفهام في شرح بلوغ المرام

بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ

475-عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي «الْمَعْرِفَةِ» لِابْنِ مَنْدَهْ: عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ أَبِيهِ.

(يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) اختلفوا متى كانت هذه الغزوة؟ فمنهم من قال: كانت في السنة الرابعة، وهذا عليه جمهور أهل السير.

ومنهم من قال: كانت في السنة السابعة عقب غزوة خيبر، وهذا اختيار الإمام البخاري، ورجحه ابن القيم؛ لأن أبا موسى وأبا هريرة قدما أيام خيبر، وشهدا غزوة ذات الرقاع.

وسميت غزوة ذات الرقاع؛ لأن أرجلهم نقبت فجعلوا يلفون الخرق عليها.

هذا الحديث فيه صفة من صفات صلاة الخوف، وهي موافقة لظاهر القرآن، وصفة هذه الصلاة: تقسيم الجيش إلى قسمين:

طائفة تصلي مع الإمام، وأخرى تقوم بالحراسة، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم يبقى قائمًا، ويتمون لأنفسهم، ثم تأتي الطائفة الأخرى ويصلي بها الركعة الثانية، ثم يثبت جالسًا حتى يتموا ثم يسلم بهم.

وهل في حال القيام يقول شيئًا، قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ : ثبت قائمًا ولا بد أنه يقرأ؛ لأن الصلاة ليست فيها سكوت فلا بد أن يقرأ، لكن ما نعرف ماذا قرأ. اهـ.

وصلاة الخوف في جماعة دليل على تأكيد هذه الشعيرة، وأنه لا يُتهاون في صلاة الجماعة.

وتصلى صلاة الخوف في وقتها، ولا تؤخر.

وأما ما جاء أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يوم الخندق أخر صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب، فهذا الجواب عنه أنه قبل أن تشرع صلاة الخوف؛ لأن صلاة الخوف شُرعت في غزوة عسفان، وعسفان بعد الخندق.

الجمع بين الصلاتين عند القتال: يجوز أن يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

…………..

476-وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.

هذه كيفية ثانية لصلاة الخوف، وفيها تقسيم الجيش إلى قسمين:

قسم يصلي معه الركعة الأولى، ثم يذهب إلى العدو ولا يكمل، فهو ليس كالصفة الأولى، ثم يأتي القسم الآخر فيصلي بهم الركعة الثانية، وبعد أن يسلم يقومون ويتمون ما بقي، فيكون الطائفة الثانية والَتْ بين صلاتها، بخلاف الطائفة الأولى.

ويكون في وقتين مختلفين؛ لأن هذا يفوت الحراسة، لكن تقوم إحدى الطائفتين وهي التي صلت معه الركعة الثانية فتكمل، ثم تقوم الأخرى وتكمل.

وهذه الصفة وما أشبهها فيما إذا كان العدو في غير جهة القبلة.

……………

477-وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الُّركُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ، قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ… فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي… فَذَكَرَ مِثْلَهُ.

وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

هذه كيفية لصلاة الخوف: إذا كان العدو تجاه القبلة فيصف الجيش كلهم مع الإمام ويصلي بهم الركعة الأولى، لكنه في حال السجود يسجد الصف الأول معه، ويبقى الصف المؤخر واقفًا للحراسة، فإذا قام للركعة الثانية يسجد الصف المؤخر سجدتين، ثم يقومون، ويتأخر الصف المقدم إلى الصف المؤخَّر-وهذه فيها حركة كثيرة ولكنها تغتفر للمصلحة-، والصف المؤخر يتقدم إلى الصف الأول خلف الإمام.

وفيه من أحكام صلاة الجماعة: أن من فاته وهو في الصلاة شيء مع الإمام لعذر؛ فإنه يفعل ما فاته من تلك الصلاة، ثم يتابع الإمام؛ مأخوذ من عدم متابعة الصف الثاني النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السجود بالصف الأول، ولما قام الصف الأول؛ للحراسة سجدوا.

………

478-وَلِأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ مِثْلُهُ، وَزَادَ: أَنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ.

479-وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ.

480-وَمِثْلُهُ لِأَبِي دَاوُدَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ .

هذه كيفية أخرى، وفيها تقسيم الجيش إلى طائفتين، لكن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، ثم تنصرف للحراسة، وتأتي الطائفة الأخرى ويصلي بهم ركعتين، فتكون صلاة الإمام بالطائفة الثانية صلاة متنفل بمفترض.

وهذا فيه الرد على الحنفية، وقد ادعوا أنه منسوخ؛ لأن عندهم لا يؤم المتنفل المفترض.

……………..

481-وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى في الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

482-وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

هذا فيه قصر عدد، وجمهور العلماء يرفضون قصر العدد إلى ركعة في صلاة الخوف، وقد ذهب إلى الاقتصار على ركعة الحسن البصري والضحاك وإسحاق وغيرهم.

وقال الشافعي ومالك والجمهور: إن صلاة الخوف كصلاة الأمن في عدد الركعات، فإن صُليت في الحضر فتصلى صلاة الحضر، وإن صُليت في سفر فتصلَّى ركعتان.

وتأولوا حديث ابن عباس على أن المراد ركعة مع الإمام، وركعة أخرى يأتي بها منفردًا.

وظاهر الدليل جواز الاقتصار على ركعة.

وهذا قول ابن القيم.

والاقتصار على ركعة في صلاة الخوف ليس في كل الأحوال:

قال ابن قدامة في «المغني»(2/302) : وَاَلَّذِي قَالَ مِنْهُمْ رَكْعَةً، إنَّمَا جَعَلَهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْقِتَالِ.

………….

483-وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

فيه محمد بن عبدالرحمن البيلماني وأبوه، وهما ضعيفان.

…………

484-وَعَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْحَمِيدِ السَّرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

هذا الحديث ظاهره أن صلاة الخوف من سها فيها لا يسجد للسهو. قيل: ولم يقل بهذا الحديث أحد من العلماء. كما قال الصنعاني

وهذا الذي رجحه الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله.

شروط صلاة الخوف ذكر الصنعاني ما يلي:

السفر: صلاة الخوف لا يشترط فيها السفر، فإذا نزل العدو قريبًا من البلد فإنه يُشرع صلاة الخوف، ولكن تُصلى صلاة مقيم.

يجوز أن تصلي صلاة الخوف في أول الوقت.

(وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقِتَالُ مُحَرَّمًا…) : صلاة الخوف لا تكون إلا إذا كان القتال مباحًا أو مشروعًا، أما إذا كان محرمًا ليس له أن يأخذ برخصة صلاة الخوف عند جمهور أهل العلم.

(وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مَطْلُوبًا لِلْعَدُوِّ لَا طَالِبًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ طَالِبًا أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ تَامَّةً، أَوْ يَكُونَ خَاشِيًا لِكَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ) :

صلاة الخوف تكون إذا كان مطلوبًا من العدو، أو خشي من عدو أن يهجم عليه، أما إذا كان هو الذي يطلب العدو فلا يشرع صلاة الخوف في حقه.

وذكر الصنعاني أن ما استدل به على هذه الشروط، ليست ظاهرة في الشرطية.

هل المرأة تجاهد؟

عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: «جِهَادُكُنَّ الحَجُّ» رواه البخاري (2875) . ورواه ابن ماجه (2901) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ، لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ». فهذا جهاد المرأة.

هل يجب على المرأة تتعلم هذه الأحكام التي تتعلق بصفة صلاة الخوف؟

تعلُّمُ المرأة لهذه المسائل من العلم المستحب؛ ففيه فضيلة يدخل في الحث على تعلم العلم النافع.

التعليقات

اترك تعليقاً