(91) اختصار درس روضة الأفهام في شرح بلوغ المرام
451-وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ، احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ»، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ…
من فوائد هذا الحديث:
- أن أفضل الحديث كتاب الله.
- وفيه: أنه ليس هناك هدي أهدى من هدي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
- وفيه: الحكم على جميع البدع بأنها ضلالة، فلا يصح تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.
- وفيه: جملة من مسائل الخطبة وآدابها، كما قال الصنعاني رَحِمَهُ اللهُ في «سبل السلام»(3/136) : فيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَرْفَعَ بِالْخُطْبَةِ صَوْتَهُ، وَيُجْزِلَ كَلَامَهُ، وَيَأْتِيَ بِجَوَامِع الْكَلِمِ مِنْ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَيَأْتِيَ بِقَوْلِهِ: (أَمَّا بَعْدُ) ، وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ بَابًا فِي اسْتِحْبَابِهَا، وَذَكَرَ فِيهِ جُمْلَةً مِنْ الْأَحَادِيثِ. اهـ.
- قال الصنعاني رَحِمَهُ اللهُ في «سبل السلام»(3/136) : وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ؛ اخْتِصَارًا؛ لِثُبُوتِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذمَاءِ». اهـ.
هذا يدل على أن الخطبة يستحب البدء فيها بخطبة الحاجة وبالشهادتين، ومن غير الشهادتين تكون ناقصة، فإذا أثنى على الله وذكر طرفًا من خطبة الحاجة يذكر في ضمنها الشهادتين.
- وفيه: ما يقوله الخطيب بعد(أما بعد) وأنه يحذر من البدع بتلكَ الكلمات.
452-وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
في هذا الحديث من الفوائد:
- أن الناس يتفاوتون في الفقه.
- وفيه: استحباب تقصير الخطبة، وتطويل الصلاة.
هل يستفاد من ذكر الرجل أن المرأة لا تكون خطيبة؟
قال الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ في «شرح بلوغ المرام»(2/337) : وهل يستفاد منه: أن الخطب خاصة بالرجال، أو يقال: إن الجمعة فقط هي الخاصة بهم؟
الظاهر أن المراد: الجمعة، وإلا قد تقوم المرأة خطيبة للنساء في مصلحة من المصالح، ولا حرج في هذا. اهـ.
وأهل العلم على هذا أن المرأة لا تقوم بخطبة الجمعة، فهذا من خصائص الرجال.
453-وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}، إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
في هذا الحديث:
- منقبة لأم هشام بنت حارثة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ لصحبتها وقرب منزلها من النبي صلى الله عليه وسلم، كما يدل على فهمها وفقهِهَا؛ ففيه زيادة عند مسلم: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ.
- وفيه: حفظ العلم، فالمرأة الصالحة تحرص على العلم النافع.
- وفيه: قراءة هذه السورة في خطبة الجمعة غالبًا.
- وفيه كما قال الصنعاني رَحِمَهُ اللهُ في «سبل السلام»(3/138) : دَلَالَةٌ عَلَى تَرْدِيدِ الْوَعْظِ فِي الْخُطْبَةِ. اهـ.
454-وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ يُفَسِّرُ:
455-حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ».
الحديث في سنده مجالد بن سعيد وهو ضعيف، ولكن آخره له ما يشهد له حديث أبي هريرة المذكور.
- فيستفاد منه: تحريم الكلام أثناء خطبة الجمعة ولو في علم وخير.
وقد ذهب بعضهم إلى أنه إذا لم يسمع الخطبة؛ لبُعده يقرأ. وذهب آخرون إلى أنه ينصت، ولا يتكلم بشي. وقالت طائفة: من لا يسمع لا إنصات عليه، بل يباح له الكلام.
ودليل المنع عموم الحديث: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». فظاهره المنع-مادام الإمام يخطب-في حق الحاضرين؛ إذ لم يُفرِّق بين سامع وغير سامع.
وفيه: أنه يجوز الكلام وقت خطبة غير الجمعة، لكن لا ينبغي هذا إلا للحاجة؛ احترامًا لمجلس العلم، وتوقيرًا لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وأيضًا لعدم التشويش على الآخرين.
- وفيه اختصاص النهي حال الخطبة: «وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ»؛ لأ الواو واو الحال، والجملة في محل نصب حال.
إذَنْ إذا رأى الخطيب وهو يمشي إلى المنبر هل له أن يتحدث؟
نعم يجوز، ما قد بدأت الخطبة «وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ»، والأولى الإنصات؛ استعدادًا.
وإذا جلس الإمام بين الخطبتين له أن يتكلم للحاجة، ويحذر من التشويش على الحاضرين.
وهل تبطل صلاة من تكلم والإمام يخطب يوم الجمعة؟
نقل الإجماع أنها تجزئه، إلا إذا كان جاهلًا فالصلاة صحيحة ولا إثم عليه.
وهنا مسألة:
إذا حوَّل الخطيب الخطبة إلى أخبار الصحفيين، وقالت صحيفة كذا:..، وقالت صحيفة كذا:.. فهذه المسألة كان يفيدنا والدي رَحِمَهُ الله أن المستمع لا ينصت؛ لأن الله عَزَّ وَجَل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) } [الجمعة]. هذا ما أفادنا به والدي رحمه الله.
مسألة أخرى عن الأصم ومن لا يفهم لغة الخطيب:
لقد تكلم الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ الله عن الأصم إذا حضر الجمعة، أو كان المستمع لا يفهم لغة الخطيب، وقال: ظاهر قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) } [الجمعة]، أنه يجب الحضور وإن كان الخطيب يتكلم بغير العربية، والحاضر لا يعرفها..إلخ
456-وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلَّيْتَ»؟ قَالَ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فيه: أن الكلام بين الخطيب والمستمع لا شيء فيه.
وأما الإشارة فيجوز للمستمع أن يشير بيده أو برأسه أو بطرفه؛ فإن هذا يجوز في الصلاة، ففي خطبة الجمعة من باب أولى.
وفيه: صلاة تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة، ولكن يستحب تخفيفهما.
457-وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
458-وَلَهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ: بِـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}.
قال الصنعاني رَحِمَهُ اللهُ في «سبل السلام»(3/144) : أَيْ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَهَا، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ تَارَةً، وَمَا ذَكَرَهُ النُّعْمَانُ تَارَةً. اهـ.
وهذا فيه الجمع بين حديث ابن عباس وحديث النعمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة أحيانًا بسورة الجمعة والمنافقون، وأحيانًا بسورة الأعلى والغاشية.
459-وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
ونستفيد: أنه إذا اجتمع عيدان: الجمعة والعيد، فإن من صلى صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة من حيث الوجوب، وهذا من التيسير، ولكن يصليها ظهرًا، الظهر لا تسقط، هناك قول شاذ: أنه تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر، وليس بصحيح.
ولكن الإمام يحضر ويخطب، وهذا قول الإمام أحمد، ويدل لذلك حديث النعمان بن بشير أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم خرج في يوم عيد لصلاة الجمعة فقرأ بهما. أي: بسورة الأعلى والغاشية.
وهناك قول لبعض أهل العلم وهو قول الشافعي أن صلاة الجمعة لا تسقط، واستدلوا بالعمومات في وجوب صلاة الجمعة، وهذا أيضًا يرده الدليل.
460-وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
جمع بعض أهل العلم بين الدليلين: أنه إن صلى في المسجد فيصلي أربعًا، وإن صلى في بيته فيصلي ركعتين، وهذا قول شيخ الإسلام، وقول والدي رَحِمَهُما اللهُ.
461-وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
النهي عن وصل النافلة بالفريضة، هذا في صلاة الراتبة التي تكون بعد الفريضة، يستحب الفصل بين الفريضة والنافلة إما بكلام أو انتقال، فالفصل بين النوافل والمفروضة هذا أمر مقصود في الشرع؛ للتمييز بين النوافل والفرائض.