المولد النبوي وحكمه
في أي يوم وُلِدَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
قال الحافظ ابن كثير في « الفصول في سيرة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»: وُلِدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: ثَامِنِهِ، وَقِيلَ: عَاشِرِهِ، وَقِيلَ: لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ مِنْهُ.
وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية»(3/375) ط/هجر-عن القول بأنه الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ-، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
وكونه ليس عندنا ما نجزم بتعيين اليوم هذا يفيدنا:
أن الذين يحتفلون بالمولد النبوي مبناهم على خيال؛ لأنه غير مؤكَّد في تعيين اليوم.
بدعة الاحتفال بالمولد النبوي
عن عائشة رضي الله عنها، قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.
ولو كان حقًّا ومشروعًا: لفعله وتسابق إليه الصحابة
ومن تبعهم بإحسان؛ لأنهم أهل السَّبْقِ والإحسان والمحاسن.
من يقول: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحضر مولدَه
قال والدي الشيخ مقبل رَحِمَهُ الله:
حسن البنا قبوري
صوفي
مبتدع
يطوف على القبر
ويحضر المولد النبوي
ويقوم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه حضر
ويدعو إلى التقريب بين الشيعة وأهل السنة.
[استفدته وقيدته من دروس والدي رَحِمَهُ الله]
الرد على من يقوم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه حضر
أي: حضر المولد النبوي في حَدِّ زعمِهِ، وإلَّا فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، فكيف يحضر؟!
قال أبو بكرٍ الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بعد أن حمد الله وأثنى عليه: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]، وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]، قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ. رواه البخاري (3667) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.
وقال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16) }[المؤمنون].
وروى الإمام مسلم (2278) عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
قال الشيخ ابن باز رَحِمَهُ الله في «مجموع الفتاوى»(1/181) في مفاسد المولد النبوي عقِب ما ذُكر من الدليل: ومن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر المولد؛ ولهذا يقومون له، محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل، وأقبح الجهل؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام، فهذه الآية الكريمة، والحديث الشريف، وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات، إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم، فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور، والحذر مما أحدثه الجهال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به. اهـ.
تسأل إحدى أخواتي في الله: من أول من أحدث المولد النبوي؟
سمعت لبعض المشايخ ووجدت هناك اختلافًا فمنهم من يقول: العبيديون الفاطميون، ومنهم من يقول: سلطان إربِل.
أولًا: لم يحدث الاحتفال بالمولد النبوي، إلا بعد القرون الثلاثة المفضلة.
أما من أول من أحدثه فما هناكَ تحديد دقيق.
قال الشيخ ابن باز في «فتاوى نور على الدرب»(3/85) : وقد مضت القرون المفضلة الثلاثة، ولم يُحتفل بالمولد، ولا فعله من السلف الصالح فيما نعلم بذلك، فهو بدعة، وأن هذا مما أحدثه الناس من بعد القرون المفضلة، يقال: إن أول من أحدثه حكام مصر، من العبيديين وهم من الشيعة مما ذكره جماعة من المؤرخين، أحدثوه في المائة الرابعة، ويقال: إنهم أول من أحدثه، وعلى كل حال فهو محدث بدعة لا أصل له.
وقال الشيخ ابن باز رَحِمَهُ الله كما في(صوتية له) : المولد بالضبط لا يُعرف متى بُدِئ، لكنه يقينًا بعد القرون الثلاثة، وقد ذكر أهل العلم أنه لم يقع شيء من ذلك إلا بعد القرون المفضلة الثلاثة.
والمشهور أنه وقع في زمن مَلِكِ إِرْبِل: الملك المظفر، أبو سعيد في آخر المائة السادسة، أو في أول المائة السابعة؛ لأنه مات سنة ثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ.
وقال بعض المؤرخين -كصاحب «الإبداع في مضار الابتداع» ذكر أنه قال بعضهم-: إنه وجد أيضًا في المائة الرابعة على يد الفاطميين ملوك مصر، والمغرب، أحدثوا خمسة موالد في المائة الرابعة، مولد النبي ﷺ وآخر لفاطمة، وآخر للحسين، وآخر للحسن، وخامسًا لملكِهم خليفتهم.
وبكل حال، فالاحتفال بالموالد إنما وقع بعد القرون المفضلة، والمشهور أنه وقع بعد ستة قرون في عهد الملك المظفر أبي سعيد، في آخر المائة السادسة، وأول السابعة في إِرْبِل.
وقال والدي الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رَحِمَهُ الله في «غارة الأشرطة»(2/218) : ولم يفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ ولا الصحابة، ولا التابعون، وإنما فعله بعض العبيديين.
وقال بعضهم: إنه فِعْلُ بعضِ ملوكِ الشام؛ لأن النصارى يحتفلون بميلاد عيسى. اهـ المراد.
وقال الشيخ ابن عثيمين في « لقاء الباب المفتوح»(رقم اللقاء: 210) : أول من أحدثها الفاطميون في مصر في القرن الرابع الهجري، وفي القرن السابع أحدثها ملك أربل في العراق.
ثم انتشرت في المسلمين، وسببها كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم»: سببها إما محبة الرسول عليه الصلاة والسلام، فظنوا أن هذا من مقتضى المحبة، وإما مضاهاة للنصارى؛ لأن النصارى يقيمون عيدًا لمولد المسيح عليه الصلاة والسلام، وأيًا كان السبب فكل بدعة ضلالة. اهـ.
تنبيه: نجد أنه اختلفت العبارات: (الفاطميون، العبيديون) ، وهذا من اختلاف الألفاظ، والمسمى واحد، ولهم تسميات أخرى أيضًا، منها: الباطنية، الإسماعيلية، المكارمة، القرامطة.
تسأل إحدى الأخوات- وفقها الله- عما رأته: أمنا عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عاشت بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (46) سنة تقريبًا، ولم تحتفل ولا يوم بمولده، هل تحبونه أكثر منها؟!
وتقول: هل تقدير السنوات هنا صحيحة؟
التاريخ المذكور متقارب مع ما ذكره الحافظ في «فتح الباري» (شرح تبويب حديث رقم 3768) ما نصه:
وَكَانَ مَوْلِدُهَا فِي الْإِسْلَام قبل الْهِجْرَة بثمان سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا، وَمَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهَا نَحْوُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا، وَقَدْ حَفِظَتْ عَنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَاشَتْ بَعْدَهُ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْأَخْذَ عَنْهَا وَنَقَلُوا عَنْهَا مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ شَيْئًا كَثِيرًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ رُبْعَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْقُولٌ عَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَكَانَ مَوْتُهَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا.