12 بر الوالدين
السؤال:
ما رأيك بمن يجادل والديه دائمًا، وماهي نصيحتك؟
أعرف شخصًا يجادلهم كثيرًا، وإذا صدر منهم غلط يظهر لهم أغلاطهم ولا يبالي، وإذا نصحوه جادلهم، مثال: بالأمس كان يقول له والده: لماذا يا بني لم تخرج القمامة، لماذا هي باب البيت؟ قال الولد: لماذا لا تخرجها أنت؟!
انصحيه وكأنه ابنك يا أم عبدالله، وسأرسل له نصيحتك لعله ينتفع بها، وجزاكِ الله عنا خيرًا.
الجواب:
بر الوالدين سعادة عظيمة، ورِزْقٌ من الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى عن نبيه عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) } [مريم: 32]
ودلت هذه الآية أن عقوق الوالدين شقاوة، وأن من رُزق بر والديه فقد سلك سبيل السعادة.
فحق الوالدين عظيم، روى البخاري (5971) ، ومسلم (2548) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».
فهذا واجب متحتم على الأولاد بر أبويهما، وكما قال ربنا عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان: 14-15]، فهذه وصية من الله سبحانه وتعالى، وقد قرن شكره بشكر والديه{أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } ، وقرن حقه بحق الوالدين، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) } [الإسراء: 23].
وعقوق الوالدين من كبائر الذنوب، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ». فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لا يَسْكُتُ. رواه البخاري (5976) ، ومسلم (87) عَنْ أبي بكرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
إن عقوق الوالدين شقاوة، شقاوة في الحياة، شقاوة في المعيشة، شقاوة في الدين، شقاوة في الآخرة.
جميع الأمور والأحوال تتنكد على العاق. والجزاء من جنس العمل، فأنت اليوم ابن وغدًا أب، وتتجرع ما عملتَه مع أبويك.
إن بر الوالدين اختصاص من الله سبحانه وتعالى، ورزق من الله عز وجل، وهو من مفاتيح الرزق، وأبواب العلم.
روى الإمامُ أحمد (42/ 206) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِمْتُ، فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ». وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ. والحديث صحيح ذكره والدي في «الصحيح المسند» (214) .
فلا يستهويَنَّكم الشيطان، ويوقعكم في عقوق الوالدين وعصيانهم، فتسلكوا طريق الشقاوة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي أولادنا وأولادكم، وأن يجعلهم بارين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.