(135) سلسلة المسائل النسائية
أخت لنا تقول: هل من السُّنَّة غضُّ البصر حتى ولو بين النساء؟
النظر العادي السليم لا بأس به.
وأما التمعُّن والتأمل فهذا يكون للحاجة، ومن غير إطالة واسترسال، فإذا كان كذلك فلا بأس.
وهذا عام في نظر المرأة للمرأة، ونظر الرجل للرجل، وفي الجواز أدلة، منها:
عن مَالِك بن نَضلَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ وَصَوَّبَ، قُلتُ: إِلامَ تَدعُو؟ وَعَمَّ تَنْهَى؟ قَالَ: «لا شَيء، إِلَّا اللهَ وَالرَّحِمِ»، قَالَ: «أَتَتْنِي رِسَالَةٌ مِن رَبي فَضِقْتُ بِهَا ذَرْعًا، وَرَويتُ أَنَّ النَّاسَ سَيُكَذِّبُونَنِي، فَقِيلَ لي: لَتَفْعَلَنَّ، أَو لَيُفْعَلَنَّ بِكَ» رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (99) .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَمْرُو اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، وَثِيَابَكَ، وَأْتِنِي». فَفَعَلْتُ فَجِئْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ الْبَصَرَ وَصَوَّبَهُ الحديث رواه أحمد (29/ 337) .
عن أبي ثعلبة الخُشَنِيّ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي بِمَا يَحِلُّ لِي، وَيُحَرَّمُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَصَعَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَوَّبَ فِيَّ النَّظَرَ.. رواه أحمد (29/ 278) . والأحاديث الثلاثة كلها في كتاب والدي «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين».
وقوله: (فَصَعَّدَ فيَّ النظرَ وصوَّبه) في «النهاية» (3/ 30) : أَيْ: نَظَرَ إِلَى أعْلايَ وأسْفَلي يَتَأَمَّلُني.
وهكذا النظر في بيوت الآخرين يكون حسب الحاجة، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما دخل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في مشربته قال: «فَنَظَرْتُ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أَهَبًا».
والأَهَبُ: الجلودُ المدبوغةُ.
وهذا يدلُّ على زهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقال عمر رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، وَانْظُرْ إِلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، كَيْفَ يَتَمَتَّعُونَ بِالدُّنْيَا».
فجلس النبي ﷺ وكان متكئًا، وقال: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا».
وبعض النساء الجاهلات هِمَّتُها التطلُّع والنظر في كلِّ شيء، وهذا ليس من الأدب، بل هو داخلٌ في فضول النظر.
ومع ما تقدم يُجتنب نظر المرأة للمرأة في الحالات التالية:
إذا كان النظر بشهوة وفتنة قَلْبٍ، فهذا محرم بالأدلة والإجماع.
أو تنظر إلى عورتها؛ كونها متبرجة عارية.
أو كان على وجه السخرية والتنقص، فهذا حرام. دليل ذلك كله قوله تَعَالَى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31].