(8) اختصار درس «الصحيح المسند من الشمائل المحمدية»
نَشَأَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتِيْمًا فقيرًا جَاهِلًا بِتَفَاصِيْلِ الشَّرْعِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ وَالضُّحَى (1) ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) ﴾[الضحى: 1-11].
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) ﴾ الليل اللغة: اللَّيْلُ واللَّيْلاةُ: من مَغْرِبِ الشمسِ إلى طُلوعِ الفَجْرِ الصادِقِ أو الشمسِ. القاموس المحيط»(1055)
شرعًا: من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق.
﴿ إِذَا سَجَى (2) ﴾ : أي: غطَّى الأرض بظلامه.
﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ أي: ما تركك، والربوبية هنا خاصة، وهي أشرف من الربوبية العامة.
﴿ وَمَا قَلَى (3) ﴾ قال السعدي رَحِمَهُ اللهُ في تفسيره»(928) : أي: ما أبغضك منذ أحبك؛ فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده، والنفي المحض لا يكون مدحًا، إلا إذا تضمن ثبوت كمال. اهـ.
﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) ﴾ هذه الآية تدل أن الآخرة خير لنبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأولى، وهي الدنيا، فهي خير له وكذا لأمته ولمن سبقهم من الأمم.
﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) ﴾ المفعول الثاني لـ«يعطي» محذوف؛ ليعم كل ما يرُضيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) أي: قابل هذه النعم بالشكر وحسن المعاملة، فاليتيم أكرِمه، واجتنب الإساءة إليه بالقول أو بالفعل. والسائل لا تنهره، سواء السائل للمال، والسائل للعلم المسترشد.
﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) ﴾ فيه قولان للمفسرين ذكرهما ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ في «مدارج السالكين» (2/ 238) ، وقال: وَفِي هَذَا التَّحْدِيثِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَكَرَ النِّعْمَةَ، وَالْإِخْبَارَ بِهَا. وَقَوْلُهُ: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، وَتَبْلِيغُ رِسَالَتِهِ، وَتَعْلِيمُ الْأُمَّةِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ؛ إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ مَأْمُورٌ بِشُكْرِهَا وَالتَّحَدُّثِ بِهَا، وَإِظْهَارُهَا مِنْ شُكْرِهَا.
من فوائد هذه السورة:
- أن الله تَعَالَى يقسم بما شاء من خلقه.
وهذا لا يعارض ما جاء من النهي عن الحلف بالمخلوق، كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ؛ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ». البخاري (6108) ، ومسلم (1646) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
- وفيه: التزهيد في الدنيا وعدم الاغترار بها.
- وفيه: امتنان الله على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سوف يعطيه حتى يرضى.
- وفيه: ذكر بعض حالات النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي يعلمها الله عنه قبل أن يبعثه نبيًّا، أنه كان يتيمًا فآواه الله. أنه كان ضالًّا فهداه الله. أنه كان عائلًا فأغناه الله.
- وفيه: حث الإنسان على تذكر حاله من قبل، وأن يشكر ربه على ما أنعم به عليه.
- هذه الوصايا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأمته، فهو قدوتهم.
- وفيه: التحدث بنعمة الله؛ للحاجة وبلا فخر.
- قال ابن القيم رَحِمَهُ الله في «الروح»(247) : وَالْفرق بَين التحدث بنعم الله وَالْفَخْر بهَا: أَن المتحدث بِالنعْمَةِ مخبر عَن صِفَات مُوليها، ومحض جوده وإحسانه؛ فَهُوَ مثن عَلَيْهِ بإظهارها والتحدث بهَا شاكرًا لَهُ، ناشرًا لجَمِيع مَا أولاه، مَقْصُوده بذلك إِظْهَار صِفَات الله ومدحه وَالثنَاء، وَبعث النَّفس على الطّلب مِنْهُ دون غَيره، وعَلى محبته ورجائه، فَيكون رَاغِبًا إِلَى الله بِإِظْهَار نعمه ونشرها والتحدث بهَا، وَأما الْفَخر بِالنعَم فَهُوَ أَن يستطيل بهَا على النَّاس، وَيُرِيهمْ أَنه أعز مِنْهُم وأكبر، فيركب أَعْنَاقهم، ويستعبد قُلُوبهم، ويستميلها إِلَيْهِ بالتعظيم والخدمة.
فائدة: سبب نزول هذه السورة: «أنه َبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 2]» رواه البخاري (1125) ، ومسلم (1797) عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ العَطَايَا في قُرَيْشٍ، وَقَبَائِلِ العَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ في الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ في أَنْفُسِهِمْ… الحديث، إلى قوله: قَالَ: فَبَكَى القَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللهِ قِسْمًا وَحَظًّا. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقْنَا. رواه أحمد (18/253) .
(أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلًا فَهَدَاكُمُ اللهُ؟) أي: واقعين في الشرك والكفر والضلال، والهداية للإيمان أعظم نعمة.
(وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) كان الأنصار متفرقين متعادين فألفم بينهم، الألفة بين قلوب المسلمين من أعظم نعم الله.
- هذا الحديث فيه فضائل عظيمة للأنصار، وثناء النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليهم.
- واستنبط الحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ في «فتح الباري»(8/ 52) فوائد من حديث يشبه هذا الحديث، وقال:
وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ تَفْضِيلَ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ.
وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْغَنِيَّ مِنْهُ؛ لِلْمَصْلَحَةِ.
وَأَنَّ مَنْ طَلَبَ حَقَّهُ مِنَ الدُّنْيَا لَا عَتْبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.
وَمَشْرُوعِيَّةُ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الْأَمْرِ الَّذِي يَحْدُثُ سَوَاءً كَانَ خَاصًّا أَمْ عَامًّا.
وَفِيهِ: جَوَازُ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْخُطْبَةِ.
وَفِيهِ: تَسْلِيَةُ مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا مِمَّا حَصَلَ لَهُ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ.
وَالْحَضُّ عَلَى طَلَبِ الْهِدَايَةِ والألفة والغنى.
وَأَن الْمِنَّة لله وَرَسُوله على الإطلاق.
وَتَقْدِيم جَانب الْآخِرَة على الدنيا وَالصَّبْرُ عَمَّا فَاتَ مِنْهَا؛ لِيُدَّخِرَ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. اهـ.
- وفيه: أن رجوع الأنصار بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير لهم وأشرف من الرجوع بالمال.