(8) اختصار درس شرح «رياض الصالحين»
وعنْ أبي حَمْزَةَ أَنَس بنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ خَادِمِ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «للَّهُ أَفْرحُ بتْوبةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بعِيرِهِ وَقَد أَضلَّهُ فِي أَرضٍ فَلَاةٍ » متفقٌ عليه.
وفي رواية لمُسْلمٍ: «لَلَّهُ أَشدُّ فَرَحًا بِتَوْبةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلْيهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعامُهُ وشرَابُهُ فأَيِسَ مِنْهَا، فأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، وقد أَيِسَ مِنْ رَاحِلتِهِ، فَبَيْنما هوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِها قَائِمة عِنْدَهُ، فَأَخذ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: اللَّهُمَّ أَنتَ عَبْدِي وَأَنَا ربُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ».
(وَقَد أَضلَّهُ) أي: أضاعه.
(فِي أَرضٍ فَلَاةٍ) الْفَلَاةُ: الْأَرْضُ لَا مَاءَ فِيهَا، وَالْجَمْعُ فَلًا..، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَفْلَاءٌ..
من فوائد هذا الحديث:
- إثبات صفة الفرح لله، نؤمن بذلك، ولا نؤول بإرادة الثواب.
- فضل التوبة. والحث على الحرص عليها والمبادرة إليها؛ لأن الله يفرح بها، وهذا من كرمه وفضله، ففرحه سُبحَانَهُ؛ من أجل عبده لا أنه محتاج لتوبته، ﴿ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ﴾[فاطر].
- وفيه: ضرب الأمثال.
- وفيه: الحث على انتظار الفرج من الله، وعدم اليأس من رحمة الله.
وفيه: أن من سبق لسانه إلى كلمة كفرية فإنه لا يكفر، فهذا من موانع التكفير، قال الله تَعَالَى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) ﴾[الأحزاب].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4/16-وعن أبي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ رضِي الله عنه، عن النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ لِيتُوبَ مُسيءُ النَّهَارِ، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ؛ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها» رواه مسلم.
(يبْسُطُ) البسط: ضد القبض.
(بِاللَّيْلِ) الباء بمعنى: «في».
في هذا الحديث:
- إثبات صفة البسط لله، وهي من الصفات الفعلية، وصفة البسط حقيقة وليس مجازًا، نؤمن بذلك، قال تَعَالَى: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة: 64].
- وفيه: صفة اليد لله، وهي من الصفات الذاتية الخبرية.
وهل الباسط من أسماء الله سُبحَانَهُ؟
الباسط من أسماء الله، فقد ثبت من حديث عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مَالٍ» رواه أبو داود(3434) ، وهو في «الصحيح المسند» (104) لوالدي رَحِمَهُ الله.
- وفيه: حث المذنبين على التوبة.
- وفيه: أن الله يمهل المذنب، ولا يعاجله بالعقوبة.
- وفيه: غلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها، والناس إذا رأوا ذلك كلهم يؤمنون، ولكن لا ينفعهم ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) ﴾[الأنعام].
قال القرطبي في «المفهم»(7/ 106) : وسر ذلك وسببه: أن ذلك هو أول قيام الساعة؛ فإذا شوهد ذلك، وعُوين حصل الإيمان الضروري، وارتفع الإيمان بالغيب الذي هو المكلف به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5/17-وعَنْ أبي هُريْرةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُول اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ الله علَيْه» رواه مسلم.
6/18-وعَنْ أبي عَبْدِ الرَّحْمن عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ بن الخطَّاب رضيَ اللهُ عنهما عن النَّبيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: «إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَالَم يُغرْغرِ» رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.
(يُغرْغرِ) الغرغرة: تردد الروح في الحلق.
قال ابن رجب في «لطائف المعارف» (334) : دل هذا الحديث على قبول توبة الله عز وجل لعبده، ما دامت روحه في جسده لم تبلغ الحلقوم والتراقي، وقد دل القرآن على مثل ذلك أيضًا، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. اهـ المراد.
قلت: لا تقبل؛ لأنها توبة اضطرارية؛ فإنه قد يئس من الحياة، وشاهد بعينه غيبيات.
قال ابن رجب رَحِمَهُ الله في «لطائف المعارف»: وقوله عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيمًا﴾[النساء: 18]، فسوى بين من تاب عند الموت ومن مات من غير توبة.
والمراد بالتوبة عند الموت: التوبة عند انكشاف الغطاء ومعاينة المحتضر أمور الآخرة، ومشاهدة الملائكة؛ فإن الإيمان والتوبة وسائر الأعمال إنما تنفع بالغيب، فإذا كشف الغطاء، وصار الغيب شهادة لم ينفع الإيمان، ولا التوبة في تلك الحال.
وما جاء في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمه أبي طالب وهو في الاحتضار: « يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، فالجواب عنه:
قال النووي رحمه الله في «شرح صحيح مسلم» (1/ 214) : الْمُرَادُ: قَرُبَتْ وَفَاتُهُ وَحَضَرَتْ دَلَائِلُهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ، وَلَوْ كَانَ فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ وَالنَّزْعِ لَمَا نَفَعَهُ الْإِيمَانُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء:18]، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ مُحَاوَرَتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ.