(9) اختصار درس شرح «رياض الصالحين»
1/19-وعَنْ زِرِّ بْنِ حُبْيشٍ قَال: أَتيْتُ صفْوانَ بْنِ عسَّالٍ رضِي الله عنْهُ أَسْأَلُهُ عَن الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فقُلْتُ: ابْتغَاءَ الْعِلْمِ، فقَال: إِنَّ الْملائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحتَها لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بمَا يَطلُبُ.. الحديث» رواه التِّرْمذي وغيره، وَقالَ: حديث حسن صحيح.
الحديث في «الصحيح المسند» (505) لوالدي رَحِمَهُ الله.
قوله: (رِضًا بمَا يَطلُبُ) في وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم أقوال، قال الخطابي رَحِمَهُ اللهُ في «معالم السنن»(1/61) : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معنى وضع الجناح من الملائكة بسط أجنحتها وفرشها لطالب العلم؛ لتكون وطاءً له ومعونة إذا مشى في طلب العلم.
والوجه الثاني: أن يكون ذلك بمعنى التواضع من الملائكة؛ تعظيما لحقه وتوقيرًا لعلمه، فتضم أجنحتها له وتخفضها عن الطيران، كقوله تعالى ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾ [الإسراء: 24] .
والوجه الثالث: أن يكون وضع الجناح يراد به النزول عند مجالس العلم والذكر وترك الطيران، كما روي أنه قال صلى الله عليه وسلم قال: «ما من قوم يذكرون الله عز وجل إلَّا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده».
والقول الثاني هو قول ابن القيم.
من فوائد هذا الحديث:
- الرحلة في طلب العلم.
- وفيه: فضل العلم، فالملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؛ تشريفًا، ولا تضعها لغيره.
- وفيه: تحفيز الطالب وترغيبه في العلم، وتشجيعه بذكر الفضائل.
- وفيه: الرجوع إلى أهل العلم في المسائل التي تشكل أو التي يتردد فيها.
- وفيه: أن السلف كانوا يسألون عن الدليل؛ لأن هذا هو العلم، فالعلم ما قام عليه الدليل.
- وفيه: تعليم المسافرين الأحكام.
- هذا الحديث: من أدلة مشروعية المسح على الخفين.
- وفيه: أن المسح على الخفين يكون من الحدث الأصغر، ولا يكون من الحدث الأكبر.
- وفيه: مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وكذا يوم وليلة للمقيم.
- وفيه يسر الشرع، فلما كان السفر مظنة التعب والإرهاق رُخص فيه أشياء لم ترخص للمقيم.
- هذا الحديث من الأدلة على عدم نزع الخفين لمن كان لابسًا لها عند الوضوء.
- وفيه: أن هذه الثلاثة الأشياء (الغائط، والبول، والنوم) من نواقض الوضوء.
- وفيه: خلع الخفين لمن عليه حدث أكبر، وأنها تُنزع قبل انتهاء المدة.
- وفيه: جفاء الأعراب وجهلهم.
- وفيه: كمال شفقة النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؛ فقد رفع صوته نحوًا من صوت الأعرابي؛ رحمة ورأفة به؛ حتى لا يحبط عمله.
- وفيه: بِشارة لمن أحب النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وسائر الصالحين بأنه يكون معهم.
- وفيه: خطر محبة الفاسقين والكافرين، فيخشى أن يحشر معهم يوم القيامة، فلا يجوز محبتهم ولا موالاتهم.
- وفيه: غلق باب التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها.
- استغلال اللقاء في العلم والمذاكرة.
وهنا قصة تتعلق بهذا الحديث، فيها الحذر من الاستهزاء
قال الطبراني في «السنة»، كما في «مجموع الفتاوى» (4/ 539) لشيخ الإسلام: عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى السَّاجِيِّ قَالَ: كُنَّا نَخْتَلِفُ إلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ لِسَمَاعِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَرَعْنَا فِي الْمَشْيِ وَمَعَنَا شَابٌّ مَاجِنٌ. فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَا تَكْسِرُوهَا. قَالَ: فَمَا زَالَ حَتَّى جَفَتْهُ رِجْلَاهُ.
وأخرج القصة بإسنادها إلى الطبراني النووي في «بستان العارفين» (50) ، قال: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي رحمه الله نحوه. والساجي ثقة.
يشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَطْلُبُ».