40من أحكام الصلاة
السؤال:
أعاني من شرود ذهني في الصلاة بكثرة، وعدم الخشوع، والسهو الكثير في الصلاة، ولا أعلم ما السبب، ولماذا.
ومع أنني أحاول ألَّا أسهو وما أكمل من الصلاة إلا وقد شرد ذهني. فما نصيحتكِ لي بارك الله فيك.
الجواب:
هذا الذي يحصل من الشيطان الرجيم -أعاذنا الله منه-، فهو يسعى جادًّا في التشويش على المصلي، ويأتي بتفكيراتٍ لم تكن تخطر على بال. فعلينا أن نَدْحَرَهُ ونطردَهُ، ونجاهد كيده وشره، بالإكثار من ذكر الله، وهذا في كل وقت؛ فذكر الله سبحانه وتعالى حصن ووقاية، ومن أجلّ ذلك المعوذتان، كما في حديث عقبة بن عامر الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَابِسٍ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ مَا تَعَوَّذَ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. رواه أحمد (28/ 530) .
وفي الصلاة، جاء عن عثمان بن أبِي الْعَاصِ أنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي. رواه مسلم (2203)
فهذا علاج نبوي، أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم -وهو في الصلاة-، ويتفل عن يساره ثلاثًا، يعني: يلتفت قليلًا عن يساره، ويتفل ثلاثًا.
ودائمًا يجاهد، وهذا الذي يحصل لكِ يحصل لغيرك، ما بين مستقل ومستكثر. وهكذا أيضًا عند تلاوة القرآن؛ ولهذا من حِكَم الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند القراءة: طرد وساوس الشياطين، قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) } [النحل: 98].
فكلما حصل شرود ذهن هنا وهنا، يرجع الإنسان إلى جَمْع فِكره وذِهنه، ولا يسترسل، الاسترسال خسارة؛ لأنه رغبة الشيطان، فهو لم يستطع أن يمنع عن تلك العبادة، عن الصلاة مثلًا، عن قراءة القرآن، لم يستطع أن يمنع منها. فيه أناس حرمهم هذا الخير، حرمهم الصلاة من أصلها -نعوذ بالله-، وحرمهم من قراءة القرآن من أصله، فإذا لم يستطع وقوي الإنسان بإيمانه وقام يصلي، جاء له من جهة أخرى، الوساوس والأفكار التي تنقص الخشوع، ولا تسمن ولا تغني من جوع.
فأنت جاهدي، والله سبحانه وتعالى سيغلبك وينصرك على عدوك، قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) } [العنكبوت: 69].
واستشعري بأنك تناجين الله عز وجل، إذا قمتِ إلى لصلاة، إذا قرأت القرآن هذه مناجاة لله سبحانه، عن أنس بن مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاةِ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» رواه البخاري (413) ، ومسلم (551) .
إذَنْ من أين جاءت هذه الوساوس والأفكار؟ من الشيطان، روى البخاري (608) ، ومسلم (389) عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» رواه مسلم (571) ، وهو من أحاديث بلوغ المرام، والله المستعان.
اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان وشركه.