حكم حرق كتب أهل البدع

الإجابة عن الأسئلة

194🔹الإجابة عن الإسئلة

🔻السؤال:
ما حكم حرق كتب المبتدعة والحزبيين، وتصوير هذه الأفعال على مواقع التواصل، فتسبب فتنة بين طلبة العلم والعوام، وتغل قلوب أهل البدع على السلفيين، خصوصًا في بعض المناطق والدول التي يغلب عليها أهل البدع؟

الجواب:
إحراق وإتلاف كتب أهل البدع فعله بعض السلف كما جاء عن الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في «العلل ومعرفة الرجال» (1/253) قال: سَمِعت أبي يَقُول: سَلام بن أبي مُطِيع من الثِّقَات، حَدثنَا عَنهُ ابن مهْدي، ثمَّ قَالَ أبي: كَانَ أَبُو عوَانَة وضع كتابًا فِيهِ معايب أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه بلايا، فجَاء سَلام بن أبي مُطِيع، فَقَالَ: يَا أَبَا عوَانَة أَعْطِنِي ذَاك الْكتاب. فَأعْطَاهُ، فَأَخذه سَلام فأحرقه. قَالَ أبي: وَكَانَ سَلام من أَصْحَاب أَيُّوب، وَكَانَ رجلًا صَالحًا. اهـ.
أَيُّوب: ابن أبي تميمة السختياني، وكان رَحِمَهُ الله شديدًا على أهل البدع.
وقال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم. فاحرقه. اهـ. «الجامع لعلوم الإمام أحمد» (12/95)
والإمام الصنعاني أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي؛ إذ حرّق كتاب دلائل الخيرات، وقال في «ديوانه»:
وَحَرَّقَ عَمْدًا للدَّلائِلِ دَفْتَرا … أَصابَ فَفيها مَا يَجِلُّ عَنِ العَّدِّ
غُلُوٌّ نَهى عَنْهُ الرَّسولُ وفِرْيَةٌ … بِلا مِرْيَةٍ فاتْرُكْهُ إِنْ كُنْتَ تَسْتَهْدِي
وسئل الشيخ ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ كما في «الشرح الصوتي لزاد المستقنع» (2/2099) : ما حكم إتلاف كتب أهل البدع؟
الشيخ: إتلاف كتب أهل البدع أولى من إتلاف المزمار؛ لأن هذه تغير الأديان، ولكن -كما قلت لكم- الذي يُؤمر بذلك هو الذي هي بيده، أعني صاحبها، ثم ولي الأمر، أما أن يُجعل هذا لكل واحد من الناس فإنه يحصل فيه من الفوضى والشر أعظم وأعظم؛ ولهذا لما أنكر أبو حنيفة على الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويفعلون أشياء تُنكَر عليهم، قيل له: إن هذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو فرْض، قال: لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون، وهذا من فقه أبي حنيفة رحمه الله؛ أن الإنسان يوازن بين المصالح والمفاسد، فإذا كان يترتب على هذا مفسدة أعظم؛ فإنه لا يجوز أن يتقدم الإنسان إلى إنكاره. اهـ.
فإحراق كتب أهل البدع فعله بعض السلف.
وهكذا من خشي على نفسه من رسائل تصل إليه، خشي على نفسه من فتنة وأن يتأثر بها، فتحرَق، وإن كانت في جوال تُحذف؛ حفاظًا على القلب، يدل لذلك قصة كعب بن مالك، قال كعب بن مالك رضي الله عنه-في قصة توبته في سياق حديث غزوة تبوك أن ملكَ غسان أرسل إليه بكتابٍ فيه-: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ-يعني نبينا محمدًا-قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا…» رواه البخاري (4418) ، ومسلم (2769) عن كعب بن مالك.
فهذا يستفادُ منه: إتلاف الرسائل التي يُخشى من بقائها تأثُّر النفس، فكعب بن مالك بادر إلى إحراق الرسالة؛ لأنه قد يقرأُها فيما بعد، وهذا لا يُؤمَن فيه على النفس من الفتنة. ثبَّتَنَا الله.
وإن كان آمنًا على نفسِه وأحب أن يجعلها في مكان خاص، فقد يحتاج إليها إذا تمكّن في العلم؛ للرد على شبهةٍ فيها، أو يعرف حال الكاتب هو بنفسه، ويطّلع إذا قوي في العقيدة والعلم.
وقد كان عندنا جهة خاصة في مكتبة النساء في دار الحديث بدماج، وهكذا عند الرجال يوجد جهة خاصة في المكتبة، خاصة بكتب الضلال، ومكتوب على دولابِها بخط واضح: كتب البدع والضلال.
والمبتدئ لا يحتاج أن يقرأ فيها ويطالع فيها؛ حفاظًا على عقيدته ومنهجه، ويشغل نفسه بما هو أنفع له.
فلو وضعها في جهة في بعض الأدراج وبيَّن، وممكن يكتب على كل دفَّة الكتاب: هذا من كتب الضلال؛ فلو قدر الله عليه موت أو شيء، يكون قد أدى الذي عليه في التوضيح والبيان أن هذه كتب لا يعتمد عليها.
ولكن من الخطأ ما حصل لإحدى أخواتي في الله كما ذكرتْ لي: أنها وجدت في مكتبة كمية من كتب أهل البدع، قالت: فرأيتها وأخذتها كلها، واشتريتها كلها؛ خشية أن يأتي أحد ويشتريها، وتؤثر فيه.
لكن هذا خطأ؛ فإنه رواج لأهل البدع، فكثير من أصحاب المطابع أصحاب مصالح دنيوية إلا من رحم الله، فيكون رواجًا لهذا الكتاب، واستيراده إلى المكتبة فورًا مرة أخرى.
أما ما ذُكر في آخر السؤال مِنْ حرق الكتاب في مواقع التواصل، وقد يسبب فتنة وجدالًا، فهذا على حسب المصلحة، ويُسأل أهل العلم في ذلك، والله أعلم.

التعليقات

اترك تعليقاً