(144) سِلْسِلَةُ التَّفْسِيْرِ
هناك من النساء من تفسر قول الله تعالى ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ) أنه لا يجوز للرجال أن يفتوا للنساء ؟
فكيف نرد عليهن بالتفسير الصحيح لأنه كثر هذا الفهم لدى كثير من البنات فأصبحن كلما رأين مقطع لشيخ يتحدث في أمور النساء يذكرن هذه الآية والله المستعان.
هذا الاستدلال غير صحيح؛ فإن هذه الآية فيها إحالة إلى ما مضى في أول سورة النساء، كما هو مبيَّن في رواية النسائي(2068) بسند صحيح عن عائشة قَالَتْ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ، أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127].
قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3].
والله عَزَّ وَجَل يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [النحل]، وقد ذكر الآية ابن القيم رحمه الله في «مفتاح دار السعادة» (49) في فضائل العلم، وقال: أمرَ سبحانه بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم، وجَعَل ذلك كالشهادة منهم، ثم قال: وأهلُ الذِّكر هم أهلُ العلم بما أُنزِل على الأنبياء.
وكان النساء يأتين إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويسألنه، ومنهن من تسأل في مسائل تخص المرأة، حتى فيما يُستهجن ويُستحيا منه، ويمهِّدنَ للسؤال بقول: إن الله لا يستحيي من الحق؛ ولذا قَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الحَيَاءُ، أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. رواه مسلم(332) .
ونذكر المتقَوِّلاتِ على الله بغير علم بقوله تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36].
قال ابن القيم في «إعلام الموقعين»(1:9) في الترهيب من الفتاوى بغير علم: وَكَفَى بِمَا تَوَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَفْسِهِ شَرَفًا وَجَلَالَةً؛ إذْ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [النساء: 176]، وَلِيَعْلَمَ الْمُفْتِي عَمَّنْ يَنُوبُ فِي فَتْوَاهُ، وَلِيُوقِنَ أَنَّهُ مَسْئُولٌ غَدًا وَمَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ.