(17) المرأة والدعوة إلى الله
من يثبِّط المرأة عن طلب العلم والدعوة إلى الله
ما أكثر الشكاوى في هذا الموضوع، وهذا جواب على سؤال إحدى الأخوات، ما نصه:
أُدرِّس الأخوات علمًا شرعيًّا، ثم جاءتني رسالة من زوجات طلاب العلم، فبدأتُ أقرأها، وكانت الصدمة، كان فيها: نحن ننصحك ألا تُدرِّسي؛ لأن هذا ليس من شأن المرأة، والمرأة في الأصل لا تدرس، وينبغي عليها أن تجلس في بيتها مع زوجها وأبنائها، والعلم الذي تعلَّمتيه لا يُسمى علمًا؛ لأنه لا يوجد عندك منهج صحيح، فتعلَّمي أولًا المنهج واتركي هذا المجال.
ثم رددتُ عليها: هل أخبرك زوجك بهذا؟
زوجها -أعرفه- من المشايخ، ثم قررتُ أن أتصل بشيخٍ مفتي المملكة، فردّ علي بأنه لا بأس، لا يوجد شيء.
عندما تأتي لي نصيحة من زوجات طلاب العلم…، وكان هذا في رمضان، وهذا الشيء يمرضني، وصمتُ بشدة.
وجواب على أخرى أيضًا- حينما تزوجت وأنجبت بعض الأولاد، فراسلتني قبل سنين وكتبت-:
أنا أدركت أن المرأة مهما طلبت العلم، آخر أمرها إلى الأمومة والانشغال عن طلب العلم.
والجواب:
هذا التثبيط عن طلب العلم النافع، ونشره من منبعه الصحيح الصافي من الشيطان، فلا يُلتفت إليه، ويكون الحال كما قيل: (كأنك لم تسمع ولم يقل) .
وسيأتي وقتٌ ويندَمْن، ويتمنين أنهن تفقهن واستفدنَ، حينما يرينكِ متحلية بحلية وزينة الوقار، مقبلة على شأنك، قد استفدتِ ونبَغْتِ، وينفع الله بك من شاءَ مِنْ خلقِه.
وانظري إلى ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال لرجل من الأنصار بعد وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هيا نطلب العلم، يعني: من الصحابة، فَقَالَ: واعجبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ، وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَرَى؟
فلم يلتفت إليه عبدُ الله بن عباس، وذهب يسأل الصحابة؛ ليتزود من العلم، وكان يأتي إلى الصحابي -وهو في القيلولة، فيتوسد التراب، وتأتي الريح فتسفي التراب في وجهه.
فيخرج الصحابي ويقول: ابن عباس ابن عم رسول الله ﷺ، ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟! فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك. فأسأله عن الحديث، قال: فبقي الرجل حتى رآني، وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: كان هذا الفتى أعقل مني!
فمع مرور الوقت توفّي كبارُ الصحابة، وصار عبد الله بن عباس بحرًا في العلم، ومن كبار العلماء الفقهاء.
وبعض الناس لا يدرك الشيء إلا بعد فوات أوانه، فإذا فات قال: فلان كان مصيبًا وأنا أخطأت.
فلا تبالي بالمثبطين، ورحم الله والدي الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رَحِمَهُ الله وغفر له، كان يقول: أنا -بحمد الله- لا أبالي بالمثبطين!
وذكر لنا والدي رَحِمَهُ الله أنه حينما كان يَدْرس في المدينة ويُدَرِّس، ورأى عبدُ المجيد الزنداني انتفاعه ونفع دعوته، أراد أن يصرفه عن ذلك الخير، وقال: أنصحك أن تذهب تطلب العلم عند الشيخ الألباني، فأنت تعلم أن الشيخ الألباني الوحيد في هذا الزمان في علم الحديث، فنخشى إذا ذهب ذهب علمه.
فقلت له: إن الشيخ الألباني علمه في كتبه؛ فأنا أستفيد من كتبه.
وهو أراد أن يصرفني عن الخير؛ لأن الدعوة بالمدينة التي لم تبقَ إلا ست سنين ملأت الدنيا.
ولما أخبرت بعض الإخوة النجديين، قال: لِمَ لم يذهب هو؟
أما أنت فأنت قائم هاهنا تكمل-وكنت أحضِّر رسالة الماجستير-، وأيضًا أنت قائم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
وغالبًا يأتي هذا:
من بعض النساء الكسولات، اللائي ليس عندهن صبر على العلم.
أو من أقحِمْت في نِشَابِ أثقال وأحمال الحياة-عافانا الله-، فيصير لا قدرة لها في الجمع بين العلم والمسؤولية والتربية والحقوق، فتضعف همتها، وتُصرف.
ولم تكتفِ بحرمان نفسِها بل سلكت طريق التثبيط، ولو أنصفَتْ مِن نفسِها لاعترفَتْ بالعجز، وإن لم تشجِّع فيسعها السكوت عن التكسيل والتثبيط.
وهذا ما نفقده في أزمنتنا عدم الإنصاف.
وقد ثبت عَنْ عَمَّار بن ياسر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ثَلَاثَةٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدَ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ، وَالْإِنْصَافُ مِنَ النَّفْسِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ. رواه البيهقي في «شعب الإيمان»( 48) ، وعلَّقَهُ البخاري ترجمة حديث(28) ، والأثر صحيح.
قال النووي رَحِمَهُ الله في «بستان العارفين»(40) : من أنصف من نفسه فيما لله تعالى وللخلق عليه ولنفسه، من نصيحتها أو صيانتها فقد بلغ الغاية في الطاعة.
إن أنفس ما تُصرف فيه الأوقات طلب العلم، وحفظ كتاب الله، وما تيسر من سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ ولهذا يقول الله سبحانه لنبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) } [طه].
اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وأن تثبتنا على طلب العلم حتى نلقاك.