174مَنْ أخذ حقًّا لآخر ثم أبى أن يرده، فوصل إلى صاحب الحق شيء من ماله، فهل له...

الإجابة عن الأسئلة

(174) الإجابة عن الأسئلة

السؤال:

مَنْ أخذ حقًّا لآخر ثم أبى أن يرده، فوصل إلى صاحب الحق شيء من ماله، فهل له أن يأخذه من دون علمه؟

الجواب:

له أن يأخذ ما وصل إليه من غير زيادة على حقه، وهذا يسمى مسألة الظفر، وفيه أدلة:

كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهند بنت عتبة لما قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ، فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ، بِالْمَعْرُوفِ» متفق عليه البخاري (5364) ، ومسلم (1714) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وروى البخاري(2461) ومسلم (1727) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لاَ يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ».

وقد بوّب على هذا الحديث الثاني الإمام البخاري: باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه.

قال الحافظ في «فتح الباري» (2461) : أَيْ هَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ بِقَدْرِ الَّذِي لَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِمَسْأَلَةِ الظَّفَرِ، وَقَدْ جَنَحَ الْمُصَنِّفُ -وهو البخاري- إِلَى اخْتِيَاره؛ وَلِهَذَا أورد أثر ابن سِيرِينَ عَلَى عَادَتِهِ فِي التَّرْجِيحِ بِالْآثَارِ. اهـ.

فهذا اختيار الإمام البخاري الجواز.

وقال الحافظ بعد ذلك: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ، وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، فَجَزَمَ بِجَوَازِ الْأَخْذِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي؛ كَأَنْ يَكُونَ غَرِيمُهُ مُنْكِرًا وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ أَخْذُهُ إِنْ ظَفِرَ بِهِ وَأَخْذُ غَيْرِهِ بِقَدْرِهِ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ، وَيَجْتَهِدُ فِي التَّقْوِيمِ وَلَا يَحِيفُ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ أَيْضًا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْخِلَافُ، وَجَوَّزَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمِثْلِيِّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ لِمَا يُخْشَى فِيهِ مِنَ الْحَيْفِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْعُقُوبَات الْبَدَنِيَّة؛ لِكَثْرَةِ الْغَوَائِلِ فِي ذَلِكَ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي الْأَمْوَالِ أَيْضًا مَا إِذَا أَمِنَ الْغَائِلَةَ، كَنِسْبَتِهِ إِلَى السّرقَة وَنَحْو ذَلِك. اهـ.

وقال الحافظ في «فتح الباري» عقب حديث عائشة في قصة هند (5364) : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنِ اسْتِيفَائِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَقِّهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ.

وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ لَا يَأْخُذُ غَيْرَ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ جِنْسُ حَقِّهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ، وَعَنْهُ يَأْخُذُ جِنْسَ حَقِّهِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ إِلَّا أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ.

وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ كَهَذِهِ الْآرَاءِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا.

وذكر المسألة الشنقيطي في «أضواء البيان» (2/467) في تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل:126]، وقال: يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمُ مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ، وَهِيَ: أَنَّكَ إِنْ ظَلَمَكَ إِنْسَانٌ بِأَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِكَ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَمْ يُمْكِنْ لَكَ إِثْبَاتُهُ، وَقَدَرْتَ لَهُ عَلَى مِثْلِ مَا ظَلَمَكَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَأْمَنُ مَعَهُ الْفَضِيحَةَ وَالْعُقُوبَةَ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّكَ أَوْ لَا؟

أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَأَجْرَأُهُمَا عَلَى ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَعَلَى الْقِيَاسِ: أَنَّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّكَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ] الْآيَةَ [النحل:126]، وَقَوْلِهِ: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .

وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَسُفْيَانُ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمْ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ فِي الْوَدِيعَةِ: وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا لِمَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا.

وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثِ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مِنْ خَانَكَ». اهـ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَ قَدْرَ حَقِّهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَمْ يَخُنْ مَنْ خَانَهُ، وَإِنَّمَا أَنْصَفَ نَفْسَهُ مِمَّنْ ظَلَمَهُ. اهـ.

وبجواز أخذ حقه من غير زيادة هو قول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله.

التعليقات

اترك تعليقاً