(175) الإجابة عن الأسئلة
السؤال:
هل اختلف العلماء في وقت انتهاء صلاة العشاء، وهل يجوز أن أصليها بعد منتصف الليل؟
الجواب: الخلاف حاصل بين أهل العلم في وقت انتهاء صلاة العشاء على أقوال، وإليكِ بيان ذلك:
قال ابن المنذر في «الأوسط» (2/343) : ذِكْرُ آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعِشَاءِ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: آخِرُ وَقْتِهَا إِلَى رُبْعِ اللَّيْلِ. هَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَلَا نَعْلَمُ مَعَ قَائِلِهِ حُجَّةً.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: وَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، كَذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وبه قال الشافعي، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ إِذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ: وَقْتُهَا نِصْفُ اللَّيْلِ، وَلَا يَفُوتُ إِلَى الْفَجْرِ. وَهَذَا أَصَحُّ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ عَلَى الْمَفِيقِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ فَائِتًا مَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْفَوَاتِ.
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ ذَكَرَ إِمَامَةَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: وَقْتُهَا إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: وَمَنْ صَلَّاهَا بَعْدَ مَا مَضَى
نِصْفُ اللَّيْلِ يُجْزِيهِ وَنَكْرَهُهُ لَهُ.
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: «فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» [ رواه مسلم (612) .
قال ابن رجب في «فتح الباري»(4/408) :
وتبويب البخاري هاهنا يدل عليه]
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: التَّفْرِيطُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخِّرُوهَا إِلَى وَقْتِ الَّتِي بَعْدَهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرَّطَ، وَقَالَ طَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ: وَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ، قَالَ أَحَدُهُمَا: إِلَى الصُّبْحِ، وَقَالَ الْآخَرُ: إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَمِنْ حُجَّةِ الْقَائِلِ لِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةً حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى»([1]) .
ثم رجح أَبُو بَكْرٍ ابن المنذر هذا القول الأخير، وقال: فَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، وَإِذَا كَانَ خُرُوجُهُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ فَصَلَاتُهُ بَعْدَ شَطْرِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّ وَقْتَهَا إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ، مَعَ أَنَّا قَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَعْتَمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالْعَشَاءِ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ. اهـ مع شيء من التصرف.
وإلى هذا ذهب النووي رَحِمَهُ اللهُ في «شرح صحيح مسلم»(5/111) ، وقال عن حديث عبد الله بن عمرو السابق: مَعْنَاهُ وقت لأدائها اختيارًا، أما وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لحديث أبي قتادة الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا.
وكذلك نص في «المجموع»(3/40) ، وقال: وَالْجَوَازُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي.
وقال أيضًا في «المجموع»(3/39) : فَإِذَا ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بَقِيَ وَقْتُ الْجَوَازِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ.
أما الحافظ ابن حجر فلم ير في المسألة حديثًا صريحًا؛ ولهذا قال في «فتح الباري»(572) : وَلَمْ أَرَ فِي امْتِدَادِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ حَدِيثًا صَرِيحًا يَثْبُتُ. اهـ.
أقول: أقوى الأقوال في هذه المسألة قولان:
أحدهما: أنه ينتهي وقت العشاء بنصف الليل.
وقد سبق من ذهب إليه، وهو قول الشيخ ابن باز([2]) .
ثانيهما: أنه ينتهي وقتها المختار والأفضل بنصف الليل، وأما الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر.
وممن ذهب إلى هذا القول الأخير ابْن عَبَّاسٍ وأَبو هُرَيْرَةَ وطَاوُس وَعِكْرِمَة، والشافعي في قول له، ورجحه ابن المنذر والنووي.
والدليل حديث أبي قتادة فهذا يدل أن كل صلاة يمتد وقتها حتى يدخل وقت الأخرى، عدا صلاة الفجر فلا يمتد وقتها إلى صلاة الظهر بل ينتهي بطلوع الشمس.
قال الحافظ في «فتح الباري»(572) : وَعُمُومُ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ. اهـ.
فعلى هذا يجوز تأخير صلاة العشاء إلى بعد منتصف الليل، كما هو قول جمهور الشافعية.
قال ابن رجب في «فتح الباري»(4/409) : واختلفوا في تأخير العشاء اختيارًا إلى بعد نصف الليل: فكرهه الأكثرون، منهم: مالك وأبو حنيفة. ولأصحابنا وجهان في كراهته وتحريمه. وقال عامة أصحاب الشافعي: هو وقت جواز. اهـ.
لكننا ننصح بتقديمها قبل منتصف الليل؛ لأن ما بعد منتصف الليل وقت جواز، وليس وقت مختار، المستحب والمختار أن تُصلى قبل نصف الليل؛ لأدلة منها: حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو «فَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْعِشَاءَ فَإِنَّهُ وَقْتٌ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» رواه مسلم (612) .
قال ابن رجب في «فتح الباري»(4/410) : واستحباب التأخير إلى النصف الثاني، هذا مما لا يعرف به قائل.
والحمد لله رب العالمين.
11/1/1448
([1]) رواه مسلم (681) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
([2]) فقد سُئل رَحِمَهُ الله كما في «نور على الدرب»(7/55) : تقول فتاة: في أيام الامتحانات تذاكر، وجاء وقت صلاة العشاء ولم تصل، وتعلم بخروج الوقت إلى أن أصبحت الساعة الثانية عشرة ليلا، وبعدما انتهت من المذاكرة صلت العشاء، فما الحكم؟ وهي نادمة على ذلك، هل عليها كفارة؟
ج: الواجب عليها التوبة إلى الله إذا خرج الوقت؛ لأن الوقت ينتهي بنصف الليل، فعليها أن تصلي العشاء قبل نصف الليل، فإذا تساهلت فعليها التوبة والاستغفار، تصلي ولو بعد نصف الليل، لكن تستغفر ربها ولا تعود، النبي قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل».